فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 863
تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ... ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ آل عمران: 66، 67.
3 -قالوا: الّذي حاجّ إبراهيم هو نمرود بن كنعان، وأنّه أوّل من تجبّر وادّعى الرّبوبيّة، وأنّه حاجّه لأن آتاه الملك فأعجب بنفسه وملكه، وأنّه كان جبّارا ب"بابل"، وأطالوا في نسبه وفي وقت الاحتجاج، وفي غيرها من حكاياته، غلبت عليها صبغة الإسرائيليّات، وليست لها دخل في فهم الآيات، بل الاشتغال بها يصرف النّاس عنها إلى ما هو أشبه بالأساطير، وما أكثرها في التّفاسير؟
4 -قال الطّباطبائيّ:"قسّم اللّه تعالى حججه عليه السّلام إلى قسمين: أحدهما: ما بدأ به هو فحاجّ النّاس، وثانيهما:"
ما بدأ به النّاس فكلّموه به بعد ما تبرّأ من آلهتهم"."
ونقول: ليس في القرآن ابتداء إبراهيم بمحاجّة قومه صريحا إلّا ما خاطب به أباه: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنامًا آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وبعدها بدأ اللّه ببيان ما هدى إبراهيم إلى التّوحيد احتجاجا لنفسه بأفول النّجوم والشّمس والقمر:
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ - إلى قوله- وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ الأنعام: 75 - 79.
5 -وأمّا الآيتان (10 و11) فكلاهما محاجّة من قبل قومه إيّاه، وقد مضى الكلام في (11) أنّ الّذي حاجّ إبراهيم هو نمرود. وأمّا (10) فقد جاءت بعد تلك الآيات في سورة الأنعام، كأنّه احتجّ عليهم بأفول النّجوم بعد أن هداه اللّه فجادلوه، ففيها إشارة إلى بدئه بالحجاج، ولعلّه مراد الطّباطبائيّ، وتمامها: وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْ ءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ* وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ... وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ ...
الأنعام: 80 - 82.
ولم يذكر فيها جدالهم إلّا أنّ الطّبريّ قال:"و كان جدالهم إيّاه قولهم: إنّ آلهتهم الّتي يعبدونها خير من إلهه". وقال الطّباطبائيّ:"لم يذكر تعالى ما أوردوه عليه من الحجّة، لكنّه لوّح إليه بقوله: وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ فهو الاحتجاج لوجوب آلهتهم من جهة الخوف".
وقال المراغيّ:"حاجّوه ببيان أوهامهم في شركهم إذ قالوا: إنّ اتّخاذ الآلهة لا ينافي الإيمان باللّه الفاطر للسّماوات والأرض، لأنّهم شفعاء عنده، ولمّا لم يجد ذلك معه خوّفوه بأن تمسّه آلهتهم بسوء". وهذا مأخوذ من غير هذه الآية، مثل ما حكاه اللّه عن المشركين:
وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ يونس: 18.
وأمّا الفخر الرّازيّ فاصطاد حججهم من آيات أخرى كتقليد الآباء: إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ الزّخرف: 22، والاستعجاب من توحيد الآلهة أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا إِنَّ هذا لَشَيْ ءٌ عُجابٌ ص: 5، وإصابته من قبل الآلهة بسوء كما قال قوم هود له: إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ هود: 54، ولكن المذكور منها مرّات في آيات الأنعام هو تخويفهم إيّاه