فهرس الكتاب

الصفحة 6392 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 64

الاهتمام بها، وتنبيها على أنّ كلّ واحدة منها منحازة عن الأخرى، في الدّلالة على كمال قدرة اللّه، وسعة رحمته وشمول نعمته.

2 -لقد أتى بها خلال أربع جمل بعد أن ذكر في آية قبلها خلال أربع جمل أيضا أربعا من آثار قدرته ورحمته في خلق السّماء والأرض، حيث قال: أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها، وهي خلق السّماوات والأرض جميعا، وإنزال الماء من السّماء، وإنبات حدائق ذات بهجة به، وأنّهم لم يقدروا على أن ينبتوا شجرها، فالموازنة بين الآيتين حاصلة تماما، وفي نفس الوقت فيهما فروق ومشتركات أخرى.

أ: فعل اللّه في الأخيرة واحد نوعا، وهو"الجعل"وفي الأولى متعدّد، وهو الخلق والإنزال والإنبات، وتعجيز النّاس عن الإنبات.

ب: أنّ الأربعة في الأخيرة معطوف بعضها على بعض ب"الواو"في عرض واحد، وفي الأولى عطف (انزل) على (خلق) ب"الواو"وعطف (انبتنا) على (انزل) ب"فاء"التّفريع، تنبيها على أنّ الإنبات نتيجة طبيعيّة للماء، متفرّعة عليه.

ج: بدّل (انبت) فعلا غائبا مفردا مماثلا لما قبله، أي (خلق) و (انزل) بصيغة (أنبتنا) فعلا متكلّما جمعا تعظيما، وتنبيها على أنّه لو لا مشيّته تعالى لما يتأتّى الإنبات عن الماء رأسا.

د: ذكر إنبات حدائق ذات بهجة وشجرها، دون إنبات الزّرع إشعارا بجمالها وتنوّعها وعظمها.

ه: ومع هذه الفروق بين الآيتين ففيهما وحدة السّياق صدرا وذيلا بالاستفهام الإقراريّ فيهما، وبالتّوبيخ في ذيلهما، تأكيدا على التّوحيد العباديّ والأفعاليّ، وترغيبا للنّاس إلى الاعتراف بهما والحذر من خلافهما؛ حيث قال في الأولى: أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ وفي الأخيرة: أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ.

فوبّخهم أوّلا بعدولهم جميعا عن طريق الحقّ، ثمّ بجهل أكثرهم إنصافا لهم وجريا مع الواقع، لأنّ بعضهم كانوا عالمين بالحقّ.

3 -جلّ ما قالوا في"جعل ما بينهما حاجزا"يرجع إلى سبعة وجوه تفسيرا وتأويلا:

أ: جعل بين البحرين حاجزا من الأرض كالأرض الواقعة بين بحر العراق وبحر الشّام، وبين البحر الأبيض والبحر الأحمر، وذلك لئلّا يطغى أحدهما على الآخر، أو يختلطان، أو يختلط الماء العذب بالماء المالح، كما جاء في وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا الفرقان:

53، ومَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ* بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ الرّحمن: 19، 20، ولكن قلّ في الأرض بحر عذب، والبحار معظمها مالحة.

ب: حاجزا بين ماء البحار المالحة وبين ماء الأنهار العذبة؛ حيث يلتقيان فلا يطغى أحدهما على الآخر.

ج: حجابا غير مرئيّا وقوّة خفيّة في طبيعة الماء العذب والماء المالح، تمنع من اختلاطهما حتّى لا يفسدا لأنّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت