فهرس الكتاب

الصفحة 6430 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 102

(محدث) : التّجدّد، وهو يقتضي المسبوقيّة بالعدم.

القاسميّ: استدلّ بهذه الآية من ذهب إلى حدوث كلامه تعالى المسموع، وهم المعتزلة والكراميّة والأشعريّة.

فأمّا المعتزلة فقالوا: إنّما كان القرآن حادثا لكونه مؤلّفا من أصوات وحروف، فهو قائم بغيره. وقالوا:

معنى كونه متكلّما، أنّه موجد لتلك الحروف والأصوات في الجسم، كاللّوح المحفوظ أو كجبريل أو النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام، أو غيرهم كشجرة موسى.

وأما الكراميّة، فلمّا رأوا ما التزمه المعتزلة مخالفا للعرف واللّغة، ذهبوا إلى أنّ كلامه صفة له مؤلّفة من الحروف والأصوات الحادثة القائمة بذاته تعالى، فذهبوا إلى حدوث الدّالّ والمدلول؛ وجوّزوا كونه تعالى محلّا للحوادث.

والأشعريّة قالوا: إنّ الكلام المتلوّ دالّ على الصّفة القديمة النّفسيّة، الّتي هي الكلام عندهم حقيقة.

قالوا: فما نزل على الأنبياء من الحروف والأصوات، وسمعوها وبلّغوها إلى أممهم، هو محدث موصوف بالتّغيّر والتّكثّر والنّزول. لا مدلولها الّتي هي تلك الصّفة القديمة، والمسألة شهير ما للعلماء فيها. والقصد أنّ الآية المذكورة رآها من ذكر، حجّة فيما ذهب إليه.

وقد عدّ الإمام ابن تيميّة- عليه الرّحمة والرّضوان- هذا الاحتجاج من الأغلاط، وعبارته في كتابه"مطابقة المنقول للمعقول":

احتجّ من يقول: بأنّ القرآن أو عبارة القرآن مخلوقة، بهذه الآية، مع أنّ دلالة الآية على نقيض قولهم، أقوى منها على قولهم. فإنّها تدلّ على أنّ بعض الذّكر محدث، وبعضه ليس بمحدث، وهو ضدّ قولهم. والحدوث في لغة العرب العامّ ليس هو الحدوث في اصطلاح أهل الكلام، فإنّ العرب يسمّون ما تجدّد حادثا، وما تقدّم على غيره قديما، وإن كان بعد أن لم يكن، كقوله تعالى:

كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ يس: 39، وقوله تعالى عن إخوة يوسف: تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ يوسف: 95، وقوله تعالى: وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ الأحقاف: 11، وقوله تعالى عن إبراهيم:

أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ* أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ الشّعراء: 75، 76 انتهى.

وقال العارف ابن عربيّ في الباب التّاسع والسّتّين والثّلاثمائة من"فتوحاته"في هذه الآية: المراد أنّه محدث الإتيان، لا محدث العين، فحدث علمه عندهم حين سمعوه. وهذا كما تقول: حدث اليوم عندنا ضيف، ومعلوم أنّه كان موجودا قبل أن يأتي، وكذلك القرآن جاء في موادّ حادثة تعلّق السّمع بها، فلم يتعلّق الفهم بما دلّت عليه الكلمات. فله الحدوث من وجه والقدم من وجه.

فإن قلت: فإذن الكلام للّه والتّرجمة للمتكلّم.

فالجواب نعم، وهو كذلك بدليل قوله تعالى مقسما (إنّه) يعني القرآن لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ الحاقّة: 40، فأضاف الكلام إلى الواسطة والمترجم، كما أضافه تعالى إلى نفسه بقوله: فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ التّوبة: 6، فإذا تلا علينا القرآن فقد سمعنا كلام اللّه تعالى، وموسى لمّا كلّمه ربّه سمع كلام اللّه. ولكن بين السّماعين بعد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت