فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 103
المشرقين، فإنّ الّذي يدركه من يسمع كلام اللّه بلا واسطة، لا يساويه من يسمعه بالوسائط، انتهى.
وبالجملة فمالمذهب المأثور عن أهل السّنّة والجماعة أئمّة الحديث والسّلف، كما قاله ابن تيميّة في"منهاج السّنّة": إنّ اللّه تعالى لم يزل متكلّما إذا شاء بكلام يقوم به، وهو متكلّم بصوت يسمع، وإنّ نوع الكلام قديم، وإن لم يجعل نفس الصّوت المعيّن قديما.
وبعبارة أخرى: إنّه تعالى لم يزل متّصفا بالكلام، يقول بمشيئته وقدرته شيئا فشيئا، فكلامه حادث الآحاد، قديم النّوع.
ثمّ قال رحمه اللّه: فإن قيل لنا: فقد قلتم بقيام الحوادث بالرّبّ.
قلنا: نعم، وهذا قولنا الّذي دلّ عليه الشّرع والعقل.
ومن لم يقل: إنّ البارئ يتكلّم ويريد ويحبّ ويبغض ويرضى ويأتي ويجي ء، فقد ناقض كتاب اللّه. ومن قال:
إنّه لم يزل ينادي موسى في الأزل، فقد خالف كلام اللّه مع مكابرة العقل، لأنّ اللّه تعالى يقول: فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ النّمل: 8، وقال: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ يس: 82، فأتى بالحروف الدّالّة على الاستقبال.
ثمّ قال رحمه اللّه: قالوا- يعني أئمّة أصحاب الحديث وغيرهم من أصحاب الشّافعيّ وأحمد وغيرهما-:
وبالجملة فكلّ ما يحتجّ به المعتزلة والشّيعة ممّا يدلّ على أنّ كلامه متعلّق بمشيئته وقدرته، وأنّه يتكلّم إذا شاء وأنّه يتكلّم شيئا بعد شي ء، فنحن نقول به. وما يقول به من يقول: إنّ كلام اللّه قائم بذاته، وأنّه صفة له، والصّفة لا تقوم إلّا بالموصوف، فنحن نقول به. وقد أخذنا بما في قول كلّ من الطّائفتين من الصّواب، وعدلنا عمّا يردّه الشّرع والعقل من قول كلّ منهما. فإذا قالوا لنا: فهذا يلزم منه أن تكون الحوادث قامت به، قلنا: ومن أنكر هذا قبلكم من السّلف والأئمّة؟ ونصوص القرآن والسّنّة تتضمّن ذلك مع صريح العقل، وهو قول لازم لجميع الطّوائف، ومن أنكره فلم يعرف لوازمه وملزوماته. ولفظ الحوادث مجمل فقد يراد به الأعراض والنّقائص، واللّه منزّه عن ذلك، ولكن يقوم به ما شاءه ويقدر عليه من كلامه وأفعاله ونحو ذلك، ممّا دلّ عليه الكتاب والسّنّة.
ثمّ قال: والقول بدوام كونه متكلّما ودوام كونه فاعلا بمشيئته، منقول عن السّلف وأئمّة المسلمين من أهل البيت وغيرهم، كابن المبارك وأحمد بن حنبل والبخاريّ وعثمان بن سعيد الدّارميّ وغيرهم.
ثمّ قال: فنحن قلنا بما يوافق العقل والنّقل من كمال قدرته ومشيئته، وإنّه قادر على الفعل بنفسه كيف شاء.
وقلنا: إنّه لم يزل موصوفا بصفات الكمال متكلّما ذاتا، فلا نقول: إنّ كلامه مخلوق منفصل عنه، فإنّ حقيقة هذا القول أنّه لا يتكلّم. ولا نقول: إنّه شي ء واحد، أمر ونهي وخبر، فإنّ هذا مكابرة للعقل. ولا نقول: إنّه أصوات منقطعة متضادّة أزليّة، فإنّ الأصوات لا تبقى زمانين.
وأيضا فلو قلنا بهذا القول والّذي قبله، لزم أن يكون تكليم اللّه للملائكة ولموسى ولخلقه يوم القيامة، ليس إلّا مجرّد خلق الإدرك لهم، لما كان أزليّا لم يزل، ومعلوم أنّ النّصوص دلّت على ضدّ ذلك. ولا نقول: إنّه صار