فهرس الكتاب

الصفحة 6434 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 106

كان المنقول من الكلام هو بعينه الكلام الأوّل الصّادر من المتكلّم الأوّل، وإن تكرّر إلى ما لا نهاية له.

هذا بالبناء على ما يقضي به الفهم العرفيّ. لكنّا إذا أمعنّا في ذلك قليل إمعان وجدنا حقيقة الأمر على خلاف ذلك، فقول القائل: جاءني زيد مثلا، ليس كلاما واحدا، لأنّ فيه الجيم أو الألف أو الهمزة، فإنّ كلّ واحدة منها فرد من أفراد الصّوت المتكوّن من اعتماد نفس المتكلّم على مخرج من مخارج فمه، والمجموع أصوات كثيرة ليس بواحدة ألبتّة إلّا بحسب الوضع والاعتبار.

ثمّ إنّ الّذي تكلّم به قائل القول الأوّل ثانيا والّذي تكلّم به النّاقل الّذي ينقله عن صاحبه الأوّل ثالثا ورابعا وغير ذلك، أفراد أخر من الصّوت مماثلة لما في الكلام الأوّل المفروض من الأصوات المتكوّنة وليست عينها، إلّا بحسب الاعتبار، وضرب من التّوسّع.

وليس هذه الأصوات كلاما إلّا من حيث إنّها علائم وأمارات بحسب الوضع والاعتبار، تدلّ على معان ذهنيّة، ولا واحدا إلّا باعتبار تعلّق غرض واحد بها.

ويتحصّل بذلك أنّ الكلام بما أنّه كلام أمر وضعيّ اعتباريّ لا تحقّق له في الخارج من ظرف الدّعوى والاعتبار، وإنّما المتحقّق في الخارج حقيقة الأفراد من الصّوت الّتي جعلت علائم بالوضع والاعتبار، بما أنّها أصوات لا بما أنّها علائم مجعولة، وإنّما ينسب التّحقّق إلى الكلام بنوع من العناية.

ومن هنا يظهر أنّ الكلام لا يتّصف بشي ء من الحدوث والبقاء، فإنّ الحدوث وهو مسبوقيّة الوجود بالعدم الزّمانيّ، والبقاء وهو كون الشّي ء موجودا في الآن بعد الآن على نعت الاتّصال، من شؤون الحقائق الخارجيّة، ولا تحقّق للأمور الاعتباريّة في الخارج.

وكذا لا يتّصف الكلام بالقدم، وهو عدم كون وجود الشّي ء مسبوقا بعدم زمانيّ، لأنّ القدم أيضا كالحدوث في كونه من شؤون الحقائق الخارجيّة دون الأمور الاعتباريّة.

على أنّ في اتّصاف الكلام بالقدم إشكالا آخر بحياله، وهو أنّ الكلام هو المؤلّف من حروف مترتّبة متدرّجة بعضها قبل وبعضها بعد، ولا يتصوّر في القدم تقدّم وتأخّر وإلّا كان المتأخّر حادثا وهو قديم، هذا خلف، فالكلام- بمعنى الحروف المؤلّفة الدّالّة على معنى تامّ بالوضع- لا يتصوّر فيه قدم مع كونه محالا في نفس الأمر، فافهم ذلك.

2 -هل الكلام بما هو كلام فعل أو صفة ذاتيّة، بمعنى أنّ ذات المتكلّم هل هي تامّة في نفسها مستغنية عن الكلام ثمّ يتفرّع عليها الكلام، أو أنّ قوام الذّات متوقّف عليه كتوقّف الحيوان في ذاته على الحياة، أو كعدم انفكاك الأربعة عن الزّوجيّة في وجه؟ لا ريب أنّ الكلام بحسب الحقيقة ليس فعلا ولا صفة للمتكلّم، لأنّه أمر اعتباريّ، لا تحقّق له إلّا في ظرف الدّعوى والوضع، فلا يكون فعلا حقيقيّا صادرا عن ذات خارجيّة، ولا صفة لموصوف خارجيّ.

نعم الكلام بما أنّه عنوان لأمر خارجيّ وهو الأصوات المؤلّفة، وهي أفعال خارجيّة للمتصوّت بها، تعدّ فعلا للمتكلّم بنوع من التّوسّع، ثمّ يؤخذ عن نسبته إلى الفاعل وصف له وهو التّكلّم والتّكليم، كما في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت