فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 107
نظائره من الاعتباريّات كالخضوع والإعظام والإهانة والبيع والشّرى، ونحو ذلك.
3 -من الممكن أن يحلّل الكلام من جهة غرضه، وهو الكشف عن المعاني المكنونة في الضّمير، فيعود بذلك أمرا حقيقيّا بعد ما كان اعتباريّا. وهذا أمر جار في جلّ الاعتباريّات أو كلّها، وقد استعمله القرآن في معان كثيرة كالسّجود والقنوت والطّوع والكره والملك والعرش والكرسيّ والكتاب، وغير ذلك.
فحقيقة الكلام هو ما يكشف به عن مكنونات الضّمير، فكلّ معلول كلام لعلّته، لكشفه بوجوده عن كما لها المكنون في ذاتها، وأدقّ من ذلك أنّ صفات الشّي ء الذّاتيّة كلام له يكشف به عن مكنون ذاته، وهذا هو الّذي يذكر الفلاسفة أنّ صفاته تعالى الذّاتيّة كالعلم والقدرة والحياة كلام له تعالى، وأيضا العالم كلامه تعالى.
وبيّن أنّ الكلام بناء على هذا التّحليل في قدمه وحدوثة تابع لسنخ وجوده، فالعلم الإلهيّ كلام قديم بقدم الذّات، وزيد الحادث بما هو آية تكشف عن ربّه كلام له حادث، والوحي النّازل على النّبيّ بما أنّه تفهيم إلهيّ حادث بحدوث التّفهيم، وبما أنّه في علم اللّه- واعتبر علمه كلاما له- قديم بقدم الذّات، كعلمه تعالى بجميع الأشياء من حادث وقديم.
4 -تحصّل من الفصول السّابقة أنّ القرآن الكريم إن أريد به هذه الآيات الّتي نتلوها، بما أنّها كلام دالّ على معان ذهنيّة نظير سائر الكلام ليس بحسب الحقيقة لا حادثا ولا قديما. نعم هو متّصف بالحدوث بحدوث الأصوات الّتي هي معنونة بعنوان الكلام والقرآن.
وإن أريد به ما في علم اللّه من معانيها الحقّة، كان كعلمه تعالى بكلّ شي ء حقّ قديما بقدمه، فالقرآن قديم أي علمه تعالى به قديم، كما أنّ زيدا الحادث قديم، أي علمه تعالى به.
ومن هنا يظهر أنّ البحث عن قدم القرآن وحدوثه بما أنّه كلام اللّه ممّا لا جدوى فيه، فإنّ القائل بالقدم إن أراد به أنّ المقروء من الآيات بما أنّها أصوات مؤلّفة دالّة على معانيها قديم غير مسبوق بعدم فهو مكابر، وإن أراد به أنّه في علمه تعالى، وبعبارة أخرى علمه تعالى بكتابه قديم، فلا موجب لإضافة علمه إليه ثمّ الحكم بقدمه، بل علمه بكلّ شي ء قديم بقدم ذاته، لكون المراد بهذا العلم هو العلم الذّاتيّ.
على أنّه لا موجب حينئذ لعدّ الكلام صفة ثبوتيّة ذاتيّة أخرى له تعالى وراء العلم لرجوعه إليه، ولو صحّ لنا عدّ كلّ ما ينطبق بحسب التّحليل على بعض صفاته الحقيقيّة الثّبوتيّة صفة ثبوتيّة له، لم ينحصر عدد الصّفات الثّبوتيّة بحاصر لجواز مثل هذا التّحليل، في مثل الظّهور والبطون والعظمة والبهاء والنّور والجمال والكمال والتّمام والبساطة، إلى غير ذلك ممّا لا يحصى.
والّذي اعتبره الشّرع وورد من هذا اللّفظ في القرآن الكريم ظاهر في المعنى الأوّل المذكور ممّا لا تحليل فيه، كقوله تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ البقرة: 253، وقوله: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا النّساء: 164، وقوله: وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ البقرة: 75، وقوله:
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ المائدة: 13، إلى غير