فهرس الكتاب

الصفحة 650 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 1، ص: 657

عليّ عليه السّلام:]"إخواننا قد بغوا علينا، فقاتلناهم على بغيهم". فقال: ويلك أما تقرأ القرآن؟ قال: بلى. قال:

فقد قال اللّه تعالى: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا الأعراف: 85، وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا الأعراف:

73، فكانوا إخوانهم في دينهم أو في عشيرتهم؟ قال له الرّجل لا، بل عشيرتهم، قال: فهؤلاء إخوانهم في عشيرتهم وليسوا إخوانهم في الدّين. قال: فرّجت عنّي فرّج اللّه عنك. (العروسيّ 2: 45)

الميبديّ: بيّن ربّ العالمين جلّ جلاله وتقدّست أسماؤه في هذه الآيات أنّ صالحا النّبيّ هو أخو ثمود، ومن الواضح أنّ هذه الأخوّة هي أخوّة نسب لا أخوّة دين وتوافق. وكذلك قال في حقّ الأنبياء: أَخاهُمْ هُودًا الأعراف: 65، وأَخاهُمْ شُعَيْبًا الأعراف: 85، وأَخُوهُمْ لُوطٌ الشّعراء: 161، وأَخُوهُمْ نُوحٌ الشّعراء: 106.

ولمّا كانت هذه الأخوّة من النّسب فإنّها تزول يوم القيامة لا محالة، ولا يبقى لها أثر، لقوله تعالى: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ المؤمنون: 101، وقال: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ عبس: 34، وقال أيضا: بأنّ المؤمن أخو المؤمن إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ الحجرات: 10، وفَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا آل عمران: 103، ولكن هذه الأخوّة، أخوّة دين، لا أخوّة نسب، ولا جرم فإنّها ستبقى وتدوم في يوم القيامة، لقوله تعالى: إِخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ الحجر:

وهنا لطيفة أخرى وهي أنّه سمّي كلّ نبيّ من الأنبياء أخا للأمّة، والأخ وإن كان عطوفا رحيما لكنّه قد تنشأ منه الفرقة والعداوة، ألا ترى ما ذاق يوسف من إخوته وما تحمّل؟! لقد ذاق العذاب وتحمّل العذاب منهم، فكلاهما يصدران من الأخ، لأنّه قضاء اللّه وحكمه منذ الأزل.

ولم يسمّ ربّ العالمين المصطفى العربيّ أخا بل سمّاه نفسا في قوله: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ التّوبة: 128، ولم تنشأ العداوة والفرقة من النّفس قطّ، ولن تقع أبدا؛ ولذا دعا الأنبياء اللّه هلاك قومهم، وأمّا المصطفى فإنّه دعا لهم الرّحمة والمغفرة، فقد كان نوح يقول: رَبِّ لا تَذَرْ ... نوح: 26، ويقول المصطفى:

وَاعْفُ عَنَّا ... البقرة: 286.

ولطيفة أخرى هي أنّ ربّ العزّة قال للنّبيّ: إنّه أخ لهم، وقال لهؤلاء: إنّهم قومه لا إخوته، لأنّهم ما فعلوا وما قالوا مثل ما يقول ويفعل الإخوان، فكلّهم جادلوا وخاصموا نبيّهم وكذّبوه.

فقوم صالح قالوا له: إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ* ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا الشّعراء: 153، 154، وقال قوم هود: وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ هود: 53، وقال قوم نوح: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ الشّعراء: 116، وقال قوم لوط: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ الشّعراء: 167، وقال قوم شعيب: وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ الشّعراء: 186.

ولكنّه قال للنّبيّ: إنّه أخوهم، لأنّه عاملهم معاملة الأخ لإخوته، وكانوا ضالّين، فدعاهم إلى الهداية،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت