فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 195
هذا المجرم وبينه تعالى شي ء مخوّف آخر حتّى يتّقى عنه بشي ء أو يتحصّن منه بحصن، وإنّما هو اللّه الّذي لا عاصم منه، ولا أنّ بينه وبين اللّه سبحانه أمر مرجوّ في دفع الشّرّ عنه من وليّ ولا شفيع. ففي الكلام أشدّ التّهديد، ويزيد في اشتداده تكراره مرّتين في مقام واحد، ويؤكّده تذييله أوّلا بقوله: وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ، وثانيا بقوله: وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ على ما سيجي ء من بيانه.
ومن جهة أخرى: يظهر من مطاوي هذه الآية وسائر الآيات النّاهية عن اتّخاذ غير المؤمنين أولياء، أنّه خروج عن زيّ العبوديّة، ورفض لولاية اللّه سبحانه، ودخول في حزب أعدائه لإفساد أمر الدّين.
وبالجملة هو طغيان وإفساد لنظام الدّين الّذي هو أشدّ وأضرّ بحال الدّين، من كفر الكافرين وشرك المشركين، فإنّ العدوّ الظّاهر عداوته المبائن طريقته، مدفوع عن الحومة سهل الاتّقاء والحذر، وأمّا الصّديق والحميم إذا استأنس مع الأعداء ودبّ فيه أخلاقهم وسننهم، فلا يلبث فعاله إلّا أن يذهب بالحومة وأهلها من حيث لا يشعرون، وهو الهلاك الّذي لا رجاء للحياة والبقاء معه. وبالجملة هو طغيان، وأمر الطّاغي في طغيانه إلى اللّه سبحانه نفسه، قال تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ ... إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ الفجر: 6 - 14، فالطّغيان يسلك بالطّاغي مسلكا يورده المرصاد الّذي ليس به إلّا اللّه جلّت عظمته، فيصبّ عليه سوط عذاب ولا مانع.
ومن هنا يظهر: أنّ التّهديد بالتّحذير من اللّه نفسه في قوله: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ لكون المورد من مصاديق الطّغيان على اللّه بإبطال دينه وإفساده.
ويدلّ على ما ذكرناه قوله تعالى: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ... ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ هود: 112، 113، وهذه آية ذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله: أنّها شيّبته- على ما في الرّواية- فإنّ الآيتين- كما هو ظاهر للمتدبّر- ظاهرتان في أنّ الرّكون إلى الظّالمين من الكافرين طغيان يستتبع مسّ النّار استتباعا لا ناصر معه، وهو الانتقام الإلهيّ لا عاصم منه ولا دافع له، كما تقدّم بيانه.
ومن هنا يظهر أيضا: أنّ في قوله: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ؛، دلالة على أنّ التّهديد إنّما هو بعذاب مقض قضاء حتما، من حيث تعليق التّحذير باللّه نفسه الدّالّ على عدم حائل يحول في البين، ولا عاصم من اللّه سبحانه وقد أوعد بالعذاب، فينتج قطعيّة الوقوع، كما يدلّ على مثله قوله في آيتي سورة هود: فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ... وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ. [إلى أن قال:]
ذكر التّحذير ثانيا يعطي من أهمّيّة المطلب والبلوغ في التّهديد ما لا يخفى، ويمكن أن يكون هذا التّحذير الثّاني ناظرا إلى عواقب المعصية في الآخرة، كما هو موردنظر هذه الآية، والتّحذير الأوّل ناظرا إلى وبالها في الدّنيا أو في الأعمّ من الدّنيا والآخرة. (3: 153، 157)
مكارم الشّيرازيّ: فاللّه ينذر النّاس بغضب منه وبعقاب شديد. [إلى أن قال:]
وَيُحَذِّرُكُمُ في الجزء الأوّل من هذه العبارة يحذّر اللّه النّاس من عصيان أوامره، وفي الجزء الثّاني يذكّرهم برأفته. ويبدو أنّ هذين الجزءين هما- على عادة القرآن