فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 200
أيضا"فقد رواه الحاكم عن عائشة بلفظ"لا يغني حذر من قدر"وصحّحه، وما أراه يصحّ وتساهل الحاكم في التّصحيح معروف، والرّازيّ ليس من رجال الحديث، ولكنّه رأى بالعقل أنّه مخالف للآية أو مضعف من تأثير الأمر فيها، وكيف يقول اللّه: (خذوا حذركم) ويقول رسوله: إنّ الحذر لا ينفع، لأنّ العبرة بالقدر الّذي لا يتغيّر."
وإنّي على استبعادي لصحّة الحديث وميلي إلى أنّه من وضع المفسدين الّذين أفسدوا بأس الأمّة بأمثال هذه الأحاديث، أقول: إنّه لا يناقض الآية، فإنّ اللّه أمرنا بالحذر لندفع عنّا شرّ الأعداء ونحفظ حقيقتنا، لا لندفع القدر ونبطله، والقدر: عبارة عن جريان الأمور بنظام تأتي فيه الأسباب على قدر المسبّبات، والحذر من جملة الأسباب، فهو عمل بمقتضى القدر لا بما يضادّه.
نحوه ملخّصا المراغيّ (5: 87) ، وعبد الكريم الخطيب (3: 831) .
سيّد قطب: إنّها الوصيّة للّذين آمنوا: الوصيّة من القيادة العليا، الّتي ترسم لهم المنهج، وتبيّن لهم الطّريق.
وإنّ الإنسان ليعجب، وهو يراجع القرآن الكريم، فيجد هذا الكتاب يرسم للمسلمين- بصفة عامّة طبعا- الخطّة العامّة للمعركة، وهي ما يعرف باسم"استراتيجيّة المعركة"ففي الآية الأخرى يقول للّذين آمنوا: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً التّوبة: 123، فيرسم الخطّة العامّة للحركة الإسلاميّة. وفي هذه الآية يقول للّذين آمنوا:
خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا وهي تبيّن ناحية من الخطّة التّنفيذيّة أو ما يسمّى"التّاكتيك"وفي سورة الأنفال جوانب كذلك في الآيات: فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ الأنفال: 57.
وهكذا نجد هذا الكتاب لا يعلّم المسلمين العبادات والشّعائر فحسب، ولا يعلّمهم الآداب والأخلاق فحسب- كما يتصوّر النّاس الدّين ذلك التّصوّر المسكين! إنّما هو يأخذ حياتهم كلّها جملة، ويعرض لكلّ ما تتعرّض له حياة النّاس من ملابسات واقعيّة. ومن ثمّ يطلب بحقّ الوصاية التّامّة على الحياة البشريّة، ولا يقبل من الفرد المسلم ولا من المجتمع المسلم، أقلّ من أن تكون حياته بجملتها من صنع هذا المنهج، وتحت تصرّفه وتوجيهه.
وعلى وجه التّحديد لا يقبل من الفرد المسلم، ولا من المجتمع المسلم أن يجعل لحياته مناهج متعدّدة المصادر:
منهجا للحياة الشّخصيّة، وللشّعائر والعبادات، والأخلاق والآداب، مستمدّا من كتاب اللّه. ومنهجا للمعاملات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسّياسيّة والدّوليّة، مستمدّا من كتاب أحد آخر، أو من تفكير بشريّ على الإطلاق.
إنّ مهمّة التّفكير البشريّ أن تستنبط من كتاب اللّه ومنهجه أحكاما تفصيليّة تطبيقيّة لأحداث الحياة المتجدّدة، وأقضيتها المتطوّرة، بالطّريقة الّتي رسمها اللّه في الدّرس السّابق من هذه السّورة، ولا شي ء وراء ذلك.
وإلّا فلا إيمان أصلا ولا إسلام، لا إيمان ابتداء ولا إسلام،