فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 206
من دون المؤمنين، ثمّ هدّدهم بأنّ من يفعل ذلك من غير تقيّة فليس من اللّه في شي ء، أي لا ولاية ولا علاقة بينه وبين اللّه، وهذا وعيد بالغ النّهاية. ثمّ حذّرهم نفسه مشفوعا بأنّ مصيرهم إلى اللّه، مشيرا إلى أنّه يعاقبهم به، فهذا كالصّريح في أنّ الحذر من اللّه حذر من عقابه، وكرّر اسم الجلالة فيها ثلاث مرّات تشديدا وتهويلا.
ثمّ أكّده في الثّانية بأنّ اللّه يعلم ولاءكم للكافرين سواء أخفيتموه في صدوركم، أو أبديتموه بأفواهكم وسلوككم، فإنّ اللّه بكلّ شي ء عليم، وهذا تهديد لمن والاهم سرّا، ليكونوا لهم عونا لو دارت الدّوائر عليهم، كما قال: تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ الممتحنة: 1.
ثمّ شدّد الأمر في الثّالثة بأنّ كلّ نفس تجد ما عملت من خير أو سوء، مع الفصل بينهما بتكرار (ما عملت) تسجيلا للعدل في الجزاء، ثمّ زاده تشديدا، بأنّها تودّ أن يكون بينها وبين ما عملت أمدا بعيدا.
وأخيرا كرّر يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ مع تفاوت للأوّل؛ حيث ذيّلها بما يبعث على الرّجاء والأمل وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ، في حين أنّه ذيّل الأوّل بما يوجب الهول والحذر: وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ وبذلك فقد قارن اللّه- كعادته- الإنذار بالتّبشير تقديما الأوّل على الأخير، وتلطيفا في الخطاب بلفظي"رءوف"و"عباد"وقد كرّر فيها اسم الجلالة مرّتين تخفيفا في التّهويل.
ثالثا: ما يرجع فيه الحذر صريحا إلى أفعاله تعالى 3 آيات (3 و4 و15) أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ، ويَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ، ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ* إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا وفيها بحوث أيضا:
1 -جاء في الأوليين ما يتعلّق بالدّنيا والآخرة معا:
ففي الأولى إصابة فتنة في الدّنيا، وعذاب أليم في الآخرة، وفي الثّانية الحذر من العذاب في الآخرة ورجاء الرّحمة في الدّنيا، أو في الدّنيا والآخرة معا.
وكذا في الأخيرة جمع بين رجاء الرّحمة وبين الخوف والحذر من العذاب، مع تقديم الرّجاء فيها على الحذر عكس الثّانية؛ حيث قدّم الحذر فيها تنويعا في الإنذار والتّبشير وتفنّنا في الإرشاد والتّبليغ.
قال الفخر الرّازيّ في هذا المجال:"إشارة إلى أنّ الإنسان عند المواظبة ينكشف له في الأوّل مقام القهر، وهو قوله: يَحْذَرُ الْآخِرَةَ ثمّ بعده مقام الرّحمة، وهو قوله: وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ"
ونقول: من كمال المعرفة للّه حصول الخوف والرّجاء معا في القلب، ولعلّ المطلوب التّسوية بينهما، غاية الأمر، المؤمنون متفاوتون في درجات المعرفة، أو في حالات التّقرّب والعبادة، فقد يتجلّى لهم من اللّه مقام اللّطف والرّحمة فيتلوهما الرّجاء في القلوب.
وقد يتجلّى لهم مقام القهر والنّقمة، فيتسرّع إليها الخوف والخشية، ومن هنا نشأ التّفاوت بين الآيتين تقديما وتأخيرا.
على أنّ الأخيرة جاءت في حقّ من هو قانت باللّيل من المؤمنين، أمّا الثّانية فيحتمل اختصاصها بالأنبياء المذكورين قبلها، كما فسّرها الطّبرسيّ ج 3 ص 422، لاحظ:"خ وف: الخوف والرّجاء".