فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 240
العقاب على مثل هذا الإفساد، لهذه الحكمة، وهي سدّ ذريعة هذه المفسدة، ولكنّه حرّم مع ذلك كلّه المثلة، وهي تشويه الأعضاء. ولا مفسدة أشدّ وأقبح من سلب الأمن على الأنفس والأعراض والأموال النّاطقة والصّامتة. فربّ عصبة من المفسدين تسلب الأمان والاطمئنان من أهل ولاية كبيرة. وربّ عصبة مفسدة تعاقب بهذه العقوبات المنصوصة في الآية فتطهّر الأرض من أمثالها زمنا طويلا.
والتّشديد في سدّ الذّرائع ركن من أركان السّياسة لا تزال جميع الدّول تحافظ عليه، حتّى أنّ بعضهم يحكم الوهم فيه. ومن الأمر الإدّ، ما اجترحته إنكلترة في مصر بهذا القصد؛ إذ مرّ بقرية"دنشواي"منذ سنين قليلة أفراد من جند الإنكليز كانوا يصيدون الحمام عند بيدرها فتخاصموا مع أصحاب الحمام وتضاربوا، فعظم على الإنكليز تجرّؤ الفلّاح المصريّ، على ضرب الجنديّ الإنكليزيّ، فعقدوا المحكمة العرفيّة لمحاكمة أولئك الفلّاحين، برئاسة بطرس باشا غالي، فحكمت على بعض أولئك الفلّاحين بأن يصلّبوا ويعذّبوا بالضّرب بالسّياط (الكرابج) ذات العقد حتّى تتناثر لحومهم، وأن يبقوا مصلوبين بعد موتهم مدّة طويلة، وأن يكون ذلك على أعين أهليهم وأعين النّاس، ونفّذ الحكم. وقد أنكر هذه القسوة واستفظعها النّاس حتّى بعض أحرار الإنكليز في بلادهم، وشنّعوا عليها في الجرائد وفي مجلس النّوّاب. ومثل هذه الحادثة لا تعدّ من الخروج على ذي السّلطان، ولا من الفساد في الأرض، ولكن قصد الإنكليز بالقسوة فيها أن لا يتجرّأ أحد على مقاومة جنديّ إنكليزيّ وإن اعتدى.
فأين هذا من عدل الإسلام الّذي ساوى خليفته عمر بن الخطّاب بين ابن فاتح مصر وقائد جيشها وحاكمها العامّ عمرو بن العاص وبين غلام قبطيّ؛ إذ تسابقا فسبق القبطيّ ابن الحاكم فصفعه هذا، وقال:
أتسبقني وأنا ابن الأكرمين؟ فلمّا رفع الأمر إلى عمر لم يرض إلّا أن يصفع القبطيّ ابن الفاتح الحاكم كما صفعه.
وقال لعمرو كلمته الذّهبيّة المشهورة: يا عمرو! منذكم تعبّدتم النّاس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحرارا؟ ولكنّ المسلمين لمّا تركوا حكم الإسلام صاروا يطلبون من الإنكليز وممّن دون الإنكليز أن يعلّموهم العدل وقوانينه!!
أمّا تفسير الآية فهو ما ترى: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ ... أي إنّ جزاء الّذين يفعلون ما ذكر محصور فيما يذكر بعده من العقوبات على سبيل التّرتيب والتّوزيع على جناياتهم ومفاسدهم، لكلّ منها ما يليق بها من العقوبة.
والمحاربة"مفاعلة"من الحرب، وهي ضدّ السّلم.
والسّلم: السّلام، أي السّلامة من الأذى والضّرر والآفات، والأمن على النّفس والمال. والأصل في معنى كلمة الحرب: التّعدّي وسلب المال. [ثمّ نقل كلام بعض اللّغويّين وقال:]
فأنت ترى أنّ الحرب والمحاربة، ليس مرادفا للقتل والمقاتلة، وإنّما الأصل فيها الاعتداء والسّلب وإزالة