فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 241
الأمن. وقد يكون ذلك بقتل وقتال وبدونهما. وقد ذكر القتل والقتال في القرآن في أكثر من مئة آية. وأمّا"المحاربة"فلم تذكر إلّا في هذه وفي قوله تعالى في بيان علّة بناء المنافقين لمسجد الضّرار: وَإِرْصادًا لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ التّوبة: 107.
قال رواة التّفسر المأثور: أي وترقّبا وانتظارا للّذي حارب اللّه ورسوله من قبل بناء هذا المسجد، وهو أبو عامر الرّاهب، فإنّه كان شديد العداوة للإسلام، ووعد المنافقين بأن يذهب ويأتيهم بجنود من عند قيصر للإيقاع بالنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين. فمحاربة هذا الرّاهب من قبل كانت بإثارة الفتن لا بالقتال والنّزال. وأمّا لفظ"الحرب"فقد ذكر في أربعة مواضع من أربع سور؛ منها:
إعلام المصرّين على الرّبا بأنّهم في حرب للّه ورسوله بأكلهم أموال النّاس بالباطل. والباقي بالمعنى المشهور، وهو ضدّ السّلم.
وكان أهل البوادي- ولا يزالون- يغزو بعضهم بعضا لأجل السّلب والنّهب.
وقد جعل الفقهاء كتاب المحاربة- ويقولون: الحرابة أيضا- غير كتاب الجهاد والقتال. وجعلوا الأصل فيها هاتين الآيتين. وعرّفوها بأنّها إشهار السّلاح وقطع السّبيل، واشترط بعضهم كالشّافعيّ أن يكون ذلك من أهل الشّوكة، كالّذين يؤلّفون العصابات المسلّحة للسّلب والنّهب وقتل من يعارضهم، أو لمقاومة السّلطة ابتغاء الفتنة والفساد، واشترطوا فيها شروطا، سنشير إلى المهمّ منها.
أمّا كون هذا النّوع من العدوان محاربة للّه ولرسوله، فلأنّه اعتداء على شريعة السّلم والأمان، والحقّ والعدل الّذي أنزله اللّه على رسوله، فمحاربة اللّه ورسوله هي عدم الإذعان لدينه وشرعه في حفظ الحقوق، كما قال تعالى في المصرّين على أكل الرّبا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ البقرة: 279، وليس معناه محاربة المسلمين، كما قال بعض المفسّرين. فمن لم يذعنوا للشّرع فيما يخاطبهم به في دار الإسلام يعدّون محاربين للّه ورسوله عليه السّلام، فيجب على الإمام الّذي يقيم العدل ويحفظ النّظام، أن يقاتلهم على ذلك- كما فعل الصّديق رضي اللّه عنه بما نعي الزّكاة- حتّى يفيئوا ويرجعوا إلى أمر اللّه، ومن رجع منهم في أيّ وقت يقبل منه ويكفّ عنه.
ولكن إذا امتنعوا على إمام العدل المقيم للشّرع، وعثوا إفسادا في الأرض، كان جزاؤهم ما بيّنه اللّه في هذه الآية. فقوله تعالى: وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا المائدة: 33، متمّم لما قبله، أي يسعون فيها سعي فساد، أو مفسدين في سعيهم لما صلح من أمور النّاس، في نظام الاجتماع وأسباب المعاش. [ثمّ أدام الكلام في معنى الفساد ومصاديقه إلى أن قال:]
ولا تتحقّق محاربة اللّه ورسوله، بمحاربة الشّرع ومقاومة تنفيذه، وإفساد النّظام على أهله، إلّا في دار الإسلام. وللكفّار في دار الحرب أحكام أخرى كما قال الفقهاء، وأحكامهم تذكر في كتاب الجهاد لا في كتاب المحاربة أو الحرابة، كما تقدّم، وقد فطن لهذا المعنى بعضهم ولم يتّضح له تمام الاتّضاح فاشترط أن يكون المحاربون المفسدون من المسلمين، كما تقدّم. والصّواب أن يكون