فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 243
وهم ضرب من الجناة بجناية القتل، ولا علاقة لهذه الآية ولا الّتي بعدها بأخبار بني إسرائيل. نزلت هذه الآية في شأن حكم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في العرنيّين، وبه يشعر صنيع البخاريّ إذ ترجم بهذه الآية من كتاب التّفسير، وأخرج عقبه حديث أنس بن مالك في العرنيّين. [ثمّ ذكر قصّتهم كما تقدّم عن سعيد بن جبير]
وعلى هذا يكون نزولها نسخا للحدّ الّذي أقامه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم سواء كان عن وحي أم عن اجتهاد منه، لأنّه لمّا اجتهد ولم يغيّره اللّه عليه قبل وقوع العمل به فقد تقرّر به شرع. وإنّما أذن اللّه له بذلك العقاب الشّديد، لأنّهم أرادوا أن يكونوا قدوة للمشركين في التّحيّل بإظهار الإسلام للتّوصّل إلى الكيد للمسلمين، ولأنّهم جمعوا في فعلهم جنايات كثيرة. قال أبو قلابة: فماذا يستبقى من هؤلاء قتلوا النّفس وحاربوا اللّه ورسوله وخوّفوا رسول اللّه. وفي رواية للطّبريّ: نزلت في قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين المسلمين عهد فنقضوه وقطعوا السّبيل وأفسدوا في الأرض، رواه عن ابن عبّاس والضّحّاك؛ والصّحيح الأوّل. وأيّامّا كان فقد نسخ ذلك بهذه الآية.
فالحصر ب (انّما) في قوله: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ إلخ على أصحّ الرّوايتين في سبب نزول الآية حصر إضافيّ، وهو قصر قلب لإبطال- أي لنسخ- العقاب الّذي أمر به الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم على العرنيّين، وعلى ما رواه الطّبريّ عن ابن عبّاس فالحصر أن لا جزاء لهم إلّا ذلك، فيكون المقصود من القصر حينئذ أن لا ينقص عن ذلك الجزاء، وهو أحد الأمور الأربعة. وقد يكون الحصر لردّ اعتقاد مقدّر، وهو اعتقاد من يستعظم هذا الجزاء، ويميل إلى التّخفيف منه، وكذلك يكون إذا كانت الآية غير نازلة على سبب أصلا.
وأيّامّا كان سبب النّزول فإنّ الآية تقتضي وجوب عقاب المحاربين بما ذكر اللّه فيها، لأنّ الحصر يفيد تأكيد النّسبة. والتّأكيد يصلح أن يعدّ في أمارات وجوب الفعل المعدود بعضها في أصول الفقه، لأنّه يجعل الحكم جازما.
ومعنى يُحارِبُونَ أنّهم يكونون مقاتلين بالسّلاح عدوانا لقصد المغنم، كشأن المحارب المبادئ، لأنّ حقيقة الحرب القتال. ومعنى محاربة اللّه: محاربة شرعه وقصد الاعتداء على أحكامه، وقد علم أنّ اللّه لا يحاربه أحد، فذكره في المحاربة لتشنيع أمرها، بأنّها محاربة لمن يغضب اللّه لمحاربته، وهو الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم. والمراد بمحاربة الرّسول: الاعتداء على حكمه وسلطانه، فإنّ العرنيّين اعتدوا على نعم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المتّخذة لتجهيز جيوش المسلمين، وهو قد امتنّ عليهم بالانتفاع بها فلم يراعوا ذلك لكفرهم، فما عاقب به الرّسول العرنيّين كان عقابا على محاربة خاصّة هي من صريح البغض للإسلام.
ثمّ إنّ اللّه شرّع حكما للمحاربة الّتي تقع في زمن رسول اللّه وبعده، وسوّى عقوبتها، فتعيّن أن يصير تأويل يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ المحاربة لجماعة المسلمين. وجعل لها جزاء عين جزاء الرّدّة، لأنّ الرّدّة لها جزاء آخر، فعلمنا أنّ الجزاء لأجل المحاربة.
ومن أجل ذلك اعتبره العلماء جزاء لمن يأتي هذه الجريمة من المسلمين، ولهذا لم يجعله اللّه جزاء للكفّار الّذين حاربوا الرّسول لأجل عناد الدّين، فلهذا المعنى عدّي