فهرس الكتاب

الصفحة 6604 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 275

نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ولم يذكر أنّه تعالى يعطيه الدّنيا أم لا، بل بقي الكلام ساكتا عنه نفيا وإثباتا. وأمّا طالب حرث الدّنيا فانّه تعالى بيّن أنّه لا يعطيه شيئا من نصيب الآخرة على التّنصيص، وهذا يدلّ على التّفاوت العظيم كأنّه يقول: الآخرة أصل والدّنيا تبع، فواجد الأصل يكون واجدا للتّبع بقدر الحاجة، إلّا أنّه لم يذكر ذلك تنبيها على أنّ الدّنيا أخسّ من أن يقرن ذكرها بذكر الآخرة.

الرّابع: أنّه تعالى بيّن أنّ طالب الآخرة يزاد في مطلوبه، وبيّن أنّ طالب الدّنيا يعطى بعض مطلوبه من الدّنيا، وأمّا في الآخرة فإنّه لا يحصل له نصيب ألبتّة، فبيّن بالكلام الأوّل أنّ طالب الآخرة يكون حاله أبدا في التّرقّي والتّزايد، وبيّن بالكلام الثّاني أنّ طالب الدّنيا يكون حاله في المقام الأوّل في النّقصان وفي المقام الثّاني في البطلان التّامّ.

الخامس: أنّ الآخرة نسيئة والدّنيا نقد، والنّسيئة مرجوحة بالنّسبة إلى النّقد، لأنّ النّاس يقولون: النّقد خير من النّسيئة، فبيّن تعالى أنّ هذه القضيّة انعكست بالنّسبة إلى أحوال الآخرة والدّنيا. فالآخرة وإن كانت نسيئة إلّا أنّها متوجّهة للزّيادة والدّوام. فكانت أفضل وأكمل، والدّنيا وإن كانت نقدا إلّا أنّها متوجّهة إلى النّقصان ثمّ إلى البطلان، فكانت أخسّ وأرذل. فهذا يدلّ على أنّ حال الآخرة لا يناسب حال الدّنيا ألبتّة، وأنّه ليس في الدّنيا من أحوال الآخرة إلّا مجرّد الاسم، كما هو مرويّ عن ابن عبّاس.

السّادس: الآية دالّة على أنّ منافع الآخرة والدّنيا ليست حاضرة بل لا بدّ في البابين من الحرث، والحرث لا يتأتّى إلّا بتحمّل المشاقّ في البذر ثمّ التّسقية والتّنمية ثمّ الحصد ثمّ التّنقية، فلمّا سمّى اللّه كلا القسمين حرثا علمنا أنّ كلّ واحدة منهما لا يحصل إلّا بتحمّل المتاعب والمشاقّ، ثمّ بيّن تعالى أنّ مصير الآخرة إلى الزّيادة والكمال، وأنّ مصير الدّنيا إلى النّقصان ثمّ الفناء، فكأنّه قيل: إذا كان لا بدّ في القسمين جميعا من تحمّل متاعب الحراثة والتّسقية والتّنمية والحصد والتّنقية، فلأن تصرف هذه المتاعب إلى ما يكون في التّزايد والبقاء أولى من صرفها إلى ما يكون في النّقصان والانقضاء والفناء.

المسألة الثّانية: في تفسير قوله: نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ قولان:

الأوّل: المعنى أنّا نزيد في توفيقه وإعانته وتسهيل سبل الخيرات والطّاعات عليه.

[و الثّاني] قال مقاتل: نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ بتضعيف الثّواب، قال تعالى: فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ النّساء: 173، وعن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال:"من أصبح وهمّه الدّنيا شتّت اللّه تعالى عليه همّه وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدّنيا إلّا ما كتب له، ومن أصبح وهمّه الآخرة جمع اللّه همّه وجعل غناه في قلبه وأتته الدّنيا وهي راغمة عن أنفها"أو لفظ يقرب من أن يكون هذا معناه.

المسألة الثّالثة: ظاهر اللّفظ يدلّ على أنّ من صلّى لأجل طلب الثّواب أو لأجل دفع العقاب فإنّه تصحّ صلاته، وأجمعوا على أنّها لا تصحّ.

والجواب: أنّه تعالى قال: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت