فهرس الكتاب

الصفحة 6612 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 283

تحرثون ونحن الزّارعون.

والفرق بينهما أنّ الحرث أوائل الزّرع ومقدّماته من إثارة الأرض، وإلقاء البذر فيها، وسقي المبذور ونحوها، والزّرع آخر الحرث من خروج النّبات، واستغلاظه، واستوائه على سوقه، وإثماره بأطواره ومراحله. فما كان منها فعل النّاس هي تلك المقدّمات، وما كان فعل اللّه هي النّتائج، ولا يشكّ أحد أنّ انعقاد الحبّ في السّنبلة مثلا ليس فعل النّاس، فبدأ بما هو فعل النّاس، وانتهى إلى ما هو فعل اللّه، كما هو الواقع من تقدّم المقدّمات على النّتائج. ولكن المصطفويّ عكسهما حيث قال:"أي قد زرعتموه أوّلا حتّى تحرثونه"وكأنّه أراد بالحرث الحصاد!!

3 -قال: أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ولم يقل: أم نحن تزرعون، رعاية لرويّ الآيات، وتأكيدا أنّه من صفاته الثّابتة وأفعاله المستمرّة، كالرّحمان والرّحيم وسائر الصّفات، كما أنّ صيغة المضارع (تحرثون) مشعرة بالتّجديد والاستمرار، أي ما تجدّدون حرثه مستمرّين به.

4 -طرح الفخر الرّازيّ سؤالا: إذا كان الزّرع فعل اللّه، فلم قال تعالى: يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ الفتح: 29، وقال النّبيّ عليه السّلام:"الزّرع للزّارع"فأطلق"الزّارع"على الحارث.

وأجاب عن الآية بأنّ الحارث يتعجّب ممّا يترتّب على حرثه وانتهى إليه عمله من توفّر النّبات، ولا يعجبه إلّا الشّي ء العظيم، فقال: يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ أي الّذين تعوّدوا أخذ الحراث.

وعن الحديث بأنّه لو قال: الزّرع للحارث، لشمل من أثار الأرض وسوّاها قبل إلقاء البذر، مع أنّ الزّرع لمن ألقى البذر، على مذهب أبي حنيفة دون من أثار الأرض.

ونقول: إذا تتبّعنا نصوص هذه المادّة لغة وكتابا وسنّة، فسوف نقتنع بأنّ الحرث والزّرع كانا يتبادلان تسامحا وتوسّعا في الكلام، فيأتي أحدهما مكان الآخر أو يعمّهما جميعا، فلا حاجة إلى التّكلّف بما ذكر. قال ابن عطيّة في وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ:"و يسمّى الزّرع حرثا للمجاورة والتّناسب، ويدخل سائر الشّجر والغراسات في ذلك حملا على الزّرع، ومنه إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ".

ب: جاء"حرث"معرّفا بلام الجنس 4 مرّات (2 - 5) ، ونكرة مرّة (6) ، ومضافا مرّتين (8 و9) وكلّها بمعنى"المزرعة"أي الأرض الّتي زرعت، وفيها بحوث:

1 -جاء في (2) بشأن بقرة بني إسرائيل: إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ أي بقرة ليست بذلول تحرث وتسقى بها الأرض. قيل: إنّها كانت بقرة وحشيّة ما كانت يستفاد منها للزّرع والسّقي كما كانت شائعة في البقرة الأهليّة، فلم تحرث ولا تسقي الأرض، وكلاهما تفسير ل (ذلول) . لاحظ"أ ث ر: تثير".

وفي الجملتين: تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ جناس صوتيّ بين"تثير وتسقى"وجناس لفظيّ بين"الحرث والأرض".

2 -وجاء في (3) وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وفيها أيضا جناس صوتيّ ولفظيّ معا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت