فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 286
شبّه حال إتيانهم النّساء في المأتى بحال إتيانهم المحارث في عدم الاختصاص بجهة دون جهة، ثمّ أطلق لفظ المشبّه به على المشبّه.
والأوّل أظهر وأوفق لتفريع حكم الإتيان على تشبيههنّ بالحرث تشبيها بليغا، وهذه الجملة مبيّنة- لما قبلها- فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ...""
وقال رشيد رضا:"أحلّ قبلها غشيان النّساء، وبيّن في هذه الآية حكمة هذا الغشيان ... وهي الاستنتاج والاستيلاد، لأنّ الحرث هو الأرض الّتي تستنبت، والاستيلاد كالاستنبات، وهذا التّعبير على لطفه ونزاهته، وبلاغته وحسن استعارته تصريح بما فهم من فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ..."، أو بيان له.
هذه الأقوال مختلفة لفظا، وإجمالا وتفصيلا، متّحدة مفهوما، وهي شاهدة على احتواء الآية على نكات بلاغيّة، لا حظ المصطلحات البلاغيّة في"المدخل".
2 -فقد اتّفقوا على أنّ المراد ب نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ أنّهنّ مزرعة للولد بالجماع، بشهادة فَأْتُوهُنَ قبلها، وفَأْتُوا حَرْثَكُمْ بعدها.
وشذّ المصطفويّ بأنّ المراد بها النّظر إليهنّ ابتهاجا ومسرّة كالنّظر إلى المزارع بحجّة أنّ النّساء سكن للرّجال، كما قال: خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها الرّوم: 21، وأنّ المزارع هي سبب ابتهاج النّاس، كما قال: اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ الحجّ: 5، وقال:"و قد اشتبه على المفسّرين تفسير هذه الآية- أي نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ - حيث فسّروا الحرث بالزّرع، ووقعوا في انحراف عن الحقيقة، فإنّ النّساء للسّكون إليها والتّعيّش معها في الحياة توجب الأنس بها مسرّة وبهجة، والزّرع من آثار تلك الحياة".
ونقول له: أوّلا: إنّ الأمر بالإتيان مرّتين- قبلها وبعدها- كالصّريح فيما اجتمعوا عليه من إرادة مجامعتهنّ، خاصّة إنّ الأمر بالإتيان جاء عقيب الأمر باعتزالهنّ في المحيض: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ البقرة: 222، وقد سكت المصطفويّ عنه، ولو أريد بها الابتهاج بهنّ لكان المناسب أن يقول:"فانظروا إليهنّ".
وثانيا: كون النّساء سكنا لا ينافي كونهنّ حرثا للولد بالجماع بل جمع اللّه بينهما في آدم وزوجه: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا ... الأعراف: 189.
على أنّ أكبر السّكون بهنّ يحصل بالتّشفّي بهنّ من طغيان الشّهوة الجنسيّة، ممّا نصّ عليه القرآن مرّات:
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ ...
آل عمران: 14، إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ ... الأعراف: 81، أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ البقرة: 187.
3 -فرّعوا على ما ذكر في وجه إطلاق الحرث على النّساء أنّ المراد ب فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ إتيانهنّ في فروجهنّ، لأنّها موضع الحرث، وأنّ المراد ب (انّى شئتم) من أيّ جهتين: أمام ووراء، دون من أيّ السّبيلين لكي يستفاد منه تحليل الدّبر، بداهة أنّ الدّبر لا يأتي منه الولد وليس حرثا.