فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 380
ذكر اللّه تعالى هذه المعاني في معرض النّعمة العظيمة.
وأيضا البلاد المعتدلة والأوقات المعتدلة نادرة جدّا، والغالب إمّا غلبة الحرّ أو غلبة البرد. وعلى كلّ التّقديرات فلابدّ للإنسان من مسكن يأوى إليه، فكان الإنعام بتحصيله عظيما، ولمّا ذكر تعالى أمر المسكن ذكر بعده أمر الملبوس، فقال: وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ. [ثمّ أدام الكلام في وجه ذكر الحرّ نحو ما تقدّم عن المفسّرين] (20: 93)
القرطبيّ: [طرح السّؤال ثمّ قال:]
فالجواب: أنّ القوم كانوا أصحاب جبال ولم يكونوا أصحاب سهل، وكانوا أهل حرّ ولم يكونوا أهل برد، فذكر لهم نعمه الّتي تختصّ بهم كما خصّهم بذكر الصّوف وغيره، ولم يذكر القطن والكتّان ولا الثّلج، فإنّه لم يكن ببلادهم. قال معناه عطاء الخراسانيّ وغيره، وأيضا فذكر أحدهما يدلّ على الآخر. [ثمّ استشهد بشعر]
الشّربينيّ: ولم يقل تعالى:"و البرد"لتقدّمه في قوله تعالى: فِيها دِفْ ءٌ.
وقيل: إنّه اكتفى بأحد المتقابلين.
وقيل: كان المخاطبون بهذا الكلام العرب، وبلادهم حارّة، فكان حاجتهم إلى ما يدفع الحرّ فوق حاجتهم إلى ما يدفع البرد، كما قال تعالى: وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها النّحل: 80، وسائر أنواع الثّياب أشرف، إلّا أنّه تعالى ذكر ذلك النّوع، لأنّه كان الفهم بها أشدّ، واعتيادهم للبسها أكثر. (2: 254)
البيضاويّ: خصّه بالذّكر اكتفاء بأحد الضّدّين، أو لأنّ وقاية الحرّ كانت أهمّ عندهم. (1: 565)
نحوه النّسفيّ (2: 295) ، والنّيسابوريّ (14: 103) ، وأبو السّعود (4: 84) ، والكاشانيّ (3: 148) ، والشّوكانيّ (3: 232) ، والمشهديّ (5: 373) ، وشبّر (3: 437) ، وطنطاوي (8: 129) ، وحسنين مخلوف (1: 442) .
البروسويّ: ولم يذكر البرد لدلالته عليه، لأنّه نقيضه، أو لأنّ وقايته هي الأهمّ عندهم، لكون البرد يسيرا محتملا، بخلاف الدّيار الرّوميّة فإنّها غالبة البرودة، ولذا قيل: الحرّ يؤذي الرّجل والبرد يقتله.
قال حضرة الشّيخ الشّهير بأفتاده أفندي قدّس سرّه: برد الرّبيع غير مضرّ لكن هذا في ديار العرب، فإنّ في برد تلك الدّيار اعتدالا بخلاف ديارنا. وفي الحديث:"اغتنموا برد الرّبيع فإنّه يعمل بأبدانكم كما يعمل بأشجاركم، واجتنبوا برد الخريف فإنّه يعمل بأبدانكم كما يعمل بأشجاركم". [ثمّ استشهد بشعر]
الآلوسيّ: خصّه بالذّكر كما قال المبرّد: اكتفاء بذكر أحد الضّدّين عن الآخر، أعني البرد. ولم يخصّ هو بالذّكر اكتفاء، لأنّ وقاية الحرّ أهمّ عندهم لما مرّ آنفا.
وقال بعضهم: من الرّأس خصّ الحرّ بالذّكر، لأنّ وقايته أهمّ. وتعقّب دعوى الأهمّيّة بأنّه يبعدها ذكر وقاية البرد سابقا، في قوله تعالى: لَكُمْ فِيها دِفْ ءٌ.
ثمّ قيل: وهذا وجه الاقتصار على الحرّ هنا، لتقدّم ذكر خلافه ثمّت.
واعترض بأنّا لا نسلّم أنّ إثبات الدّف ء هناك يبعد