فهرس الكتاب

الصفحة 6736 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 407

والأماكن المختصّة بعبادته تعالى، في زمان كان فيه تحت ولاية الأبوين لو لا التّحرير"."

ثالثا: نحن لا ندري ما هو الحال الآن عند النّصارى، هل يخصّون بالنّذر وغيره ولدا أو بنتا بالكنيسة كالسّيّدة مريم، أو بدّلوه بما هو متعارف عندهم من رهبانيّة البنات؟

رابعا: ذكر السّمين في نصب (محرّرا) وجوها: إنّه حال من الموصول (ما في بطنى) أو من الفاعل المستتر في صلته، أي الكائن في بطني، أو مفعول مطلق لفعل (نذرت) أي نذرت نذر تحرير، أو لفعل محذوف من مادّته، أي نذرت وحرّرت ما في بطني تحريرا، أو وصف لمفعول محذوف أي غلاما محرّرا.

أو هو مصدر، لأنّ المصدر قد يأتي على زنة اسم المفعول من غير الثّلاثيّ، ومنه وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ سبأ: 19، ووَ مَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ الحجّ: 18، على قراءة فتح الرّاء.

وقال طنطاوي:"أي جعلت الحمل الّذي في بطني نذرا محرّرا منّي لك، وهذا بيان للمعنى لا للّفظ. وأوّل الوجوه أوجهها."

خامسا: جاء (محرّرا) مذكّرا، وقد أنّث الضّمير الرّاجع إليه بعده رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى لأنّها كانت تعتقد أنّ ما في بطنها ذكر، ولهذا لمّا وضعتها أنثى قالت تحزّنا وتأسّفا على ما فاتها من الولد: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى فجاء مؤنّثا وفقا للأمر الواقع.

سادسا: جاء (ما في بطنى) بدل"من في بطني"لأنّ ما حملته حين ذاك لم يكن عاقلا، بل كان شيئا من الأشياء، أو أنّ (ما) مبهمة تقع على كلّ شي ء، فجاز أن تقع موقع (من) وله في القرآن نظائر.

سابعا: واستنتج منها سيّد قطب- كعادته- في كلام طويل أنّ من تحرّر من كلّ عبوديّة لكلّ أحد، ولكلّ شي ء ولكلّ قيمة، فلا تكون عبوديّته إلّا للّه وحده، فهذا هو التّحرير، وما عداه عبوديّة، وإن تراءت في صورة الحرّيّة، وأنّ التّوحيد هو الصّورة المثلى لهذا التّحرير.

وما قاله موافق لبعض ما قيل في معنى المحرّر"."

وأمّا الحرّ فجاء مرّتين في (5) : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ.

ويلاحظ أوّلا: أنّ هذه الآية تفصح عن التّصنيف الطّبقيّ لمجتمع الجزيرة العربيّة الّذي كان يسود النّاس في صدر الإسلام، فهم آنذاك طبقتان متمايزتان: الأحرار والعبيد. وأمّا الأنثى فهي جنس ينضوي تحت إحدى الطّبقتين، فهي إمّا حرّة وإمّا أمة، وذكرت استطرادا لبيان حكمها. وينبئ هذا التّرتيب في الآية بانحطاط رتبتها في ذلك الزّمان، فهي تلي العبد الذّكر، كما تلي الحرّ الذّكر، وهذا ما يلحظ في كلّ القرآن حين يعكس الرّؤية الغالبة حين ذاك، إلّا قوله تعالى: يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ الشّورى: 49، حيث قدّم الإناث وأخّر الذّكور، تبيانا لما عند اللّه عكس ما كان عند النّاس.

ثانيا: ترمي الآية من وراء هذا التّصنيف إلى إشاعة الحرّيّة ونبذ العبوديّة، فمنعت أن يقتل حرّ بعبد لجلالة الأوّل وخساسة الثّاني، ومنعت أيضا أن يقتل عبد بحرّ، لعدم تكافؤ دمائهما. وهذا حثّ للمؤمنين على الاحتفاظ بحرّيّاتهم وعدم التّفريط بها، لأنّ الخطاب موجّه إليهم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت