المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 408
واستنهاض للعبيد للتّخلّص من نير عبوديّتهم، لأنّهم كانوا في الأصل أحرارا. قال الإمام عليّ عليه السّلام:"لا تكن عبد غيرك وقد جعلك اللّه حرّا". ولو حرص المسلمون اليوم على الذّود عن حرّيّتهم، وأبوا الخضوع إلى الكفّار، لأضحوا أحرارا مستقلّين.
ثالثا: انتقد الغربيّون حكم القصاص في الإسلام، لأنّهم يتخيّلون أنّه ضرب من ضروب القسوة والعنف والتّشفّي من الإنسان، ودعوا النّاس إلى النّصرانيّة، لأنّها بزعمهم دين السّماحة والسّلام.
ولكن فاتهم أنّ كتابهم طافح بأحكام جائرة، تقضي بقتل الإنسان أو الحيوان لأمور تافهة، نحو: مسّ جبل سيناء، لأنّ الرّبّ ينزل عليه! الخروج (19: 12 و13) ، وشتم الأب أو الأمّ! الخروج (21: 17) ، بل استئصال كلّ كائن حيّ عند احتلال المدن ومداهمتها! التّثنية(20:
ونشهد في هذا العصر قتل الآلاف المؤلّفة من بني البشر بأيدي اليهود والنّصارى أو عملائهم في أرجاء العالم بذرائع شتّى، أعدّوا أسبابها بأنفسهم.
ولا غرو أن نرى اليوم بعض المتفيهقين والمتتشدّقين الّذين يدّعون الإسلام، يلوكون أحكام هذا الدّين الحنيف، ويقدحون في شرعه المنيف، يبنون على ما أسّسه الغربيّون!! لا حظ"ق ص ص: القصاص".
المحور الثّاني: الحرّ والحرور في (6 إلى 8) :
يلاحظ أوّلا: أنّ الآية (6) تحكي قول المنافقين لبعضهم بعضا، حينما استنفر الرّسول المسلمين إلى غزوة تبوك، وكان ذلك في شدّة الحرّ وطيب الثّمار، وذكروا في معناها: لا تخرجوا مع الرّسول في الحرّ الشّديد، أو لا تخرجوا سراعا في هذا الحرّ.
وكان الحافز إلى هذا القول- كما هو ظاهر الآية- الفرار من الحرّ، إلّا أنّ الغرض- كما تحاكي آيات قبلها وما بعدها- هو تثبيط عزائم المسلمين وكسر نشاطهم والتّواصي بينهم بالمخالفة لأمر اللّه ورسوله، كما قال:
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا الأحزاب: 18.
ثانيا: لعلّ قائلا يقول: إنّ ردّه عليهم بقوله: قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا، لا يفي بما يحتجّ به عليهم، لأنّه واضح بيّن، فشتّان بين حرّ الشّمس وحرّ النّار.
والجواب: إنّما جاراهم في ظاهر القول تذكيرا وتحذيرا لهم، مثل: وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ التّوبة: 61، كما هو تعريض بعقولهم أيضا في ذيلها لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ.
ثالثا: أنّ الحرّ ذريعة قد تذرّع بها المنافقون للصّدّ عن الجهاد في سبيل اللّه كما هو ديدنهم، فلو استنفرهم الرّسول في الشّتاء، لتعلّلوا بالبرد أيضا، ونظير ذلك:
وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ* لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ الحجر: 14، 15، و: وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌ فصّلت: 44.
وقال الإمام عليّ عليه السّلام يصف تثاقل أصحابه عن حرب أهل الشّام:"فإذا أمرتكم بالسّير إليهم في أيّام الحرّ، قلتم: هذه حمّارة القيظ، أمهلنا يسبّخ عنّا الحرّ،"