المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 409
وإذا أمرتكم بالسّير إليهم في الشّتاء، قلتم: هذه صبّارة القرّ، أمهلنا ينسلخ عنّا البرد، كلّ هذا فرارا من الحرّ والقرّ، فإذا كنتم من الحرّ والقرّ تفرّون، فأنتم واللّه من السّيف أفرّ"نهج البلاغة- الخطبة: 27."
رابعا: ذكرت في (7) الظّلال وأكنان الجبال والسّرابيل كنعم أنعم اللّه بها على الإنسان، وقد بدأ بعدّها من أوائل سورة النّحل، وانتهى بها إلى هذه الآية.
وكما أنّ السّرابيل- أي الثّياب- تقي الإنسان من حرّ الصّيف، فكذلك تقيه من برد الشّتاء، إلّا أنّه ذكر الحرّ هنا دون البرد، فما هو سرّ ذلك؟
قالوا: اكتفى بذكر أحدها عن ذكر الآخر، لأنّ ما وقي من الحرّ وقي من البرد، وهو معلوم لهم فسكت عنه، لأنّهم كانوا أصحاب حرّ فذكر ما عرفوا مكروهه، وذكر الحذر من حرّ جهنّم والتّوقّي لاستحقاقها بالكفّ عن المعاصي، أو لأنّه قد تقدّم في صدر السّورة (5) : فِيها دِفْ ءٌ وهو يغني عن ذكر البرد هنا.
ونضيف أنّه متناسق لما قبله في صدر الآية وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا ... فالظّلّ مطلوب فرارا من حرّ الشّمس، وهو يرمز إلى البرد.
وأيضا لعلّ سراويلهم كانت تقيهم من الحرّ فقط، لكونها رقيقة فلا يكفي عطف"البرد"عليه. ولو أريد الوقاية من البرد أيضا لقال:"و سراويل تقيهم البرد"كما قال: (و سراويل تقيهم بأسهم) ، فإنّ لكلّ واحد من الحرّ والبرد والبأس سراويل خاصّة.
خامسا: استعمل القرآن الحرّ نقيضا للبرد بألفاظ أخرى تدلّ عليه:
1 -النّار والبرد: قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلى إِبْراهِيمَ الأنبياء: 69.
2 -الحميم والبرد: لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا وَلا شَرابًا* إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا النّبأ: 24، 25.
3 -اليحموم والبرد: وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ* لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ الواقعة: 43، 44.
كما استعملا معا بلفظي الشّمس والزّمهرير اللّذين يدلّان عليهما أيضا:
مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا الدّهر: 13.
راجع (ب ر د) ، و (ح م م) ، و (ز م ه ر) ، و (ش م س) ، و (ن ور) ، و (ظ ل ل) .
سادسا: أنّ المفسّرين ذكروا للحرور في (8) معاني كثيرة، فمنهم من فسّره بالحرّ الدّائم ليلا ونهارا، أو باللّيل فقط، ومنهم من أسنده إلى الرّيح، أي الرّيح الحارّة تهبّ باللّيل، وقد تكون بالنّهار- وهذا ما ورد في اللّغة كما رأيت- ومنهم من خصّه بالشّمس، أي شدّة حرّها، ومنهم من عمّه على السّموم، فقال: هو السّموم بالنّهار، أو باللّيل والنّهار. ومنهم من أوّله بالنّار، أو البهائم، أو الباطل، أو الكافر، أو العقاب، وهو نهج بعض المتقدّمين.
سابعا: قال قطرب:"الحرور: الحرّ، والظّلّ:"
البرد"، وهو أقرب الأقوال محاكاة لنظم الآيات السّابقة واللّاحقة طباقا، فقد جاء في الآيات السّابقة لها في هذه السّورة:"
1 -الإمساك والإرسال: وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ