المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 412
الجنّة فيها دون سائر الثّياب، في سور مكّيّة ومدنيّة، وقد اجتمعت في سورة الدّهر المدنيّة:
الحرير: وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا: 12
السّندس والإستبرق: عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ: 21
وأعدّت هذه الثّياب جميعا للّذين آمنوا وعملوا الصّالحات وللأبرار، وأعدّ الحرير وحده لمن اصطفاهم اللّه من عباده وللّذين آمنوا وعملوا الصّالحات خاصّة، كما تقدّم. لا حظ:"إستبرق، وسندس، وخضر".
رابعا: أوّل ابن عربيّ- كعادته- التّحلية بالزّينة هنا بأنّها صور كمالات الأخلاق والفضائل والأحوال والمواهب، والأعمال المصوغة من ذهب العلوم ولؤلؤ المعارف، والحقائق الكشفيّة الذّوقيّة.
خامسا: لمّا خصّ الحرير في الآيتين بلباس أهل الجنّة جاءت في السّنّة حرمة لبس الحرير والصّلاة فيه للرّجال في الدّنيا، ولفقهاء المذاهب فيه تفصيل أخذا ممّا جاء في السّنّة، كما سبق في النّصوص.
سادسا: نبّه الآلوسيّ على سرّ تغيير الأسلوب في الآيتين؛ حيث قال: وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ* ولم يقل:
"و يلبسون فيها حريرا"،"فقيل: للإيذان بأنّ ثبوت اللّباس أمر محقّق غنيّ عن البيان؛ إذ لا يمكن عراؤهم عنه. وإنّما المحتاج إلى البيان أنّ لباسهم ما ذا؟ بخلاف الأساور واللّؤلؤ، فإنّها ليست من اللّوازم الضّروريّة، ولذا لا يلزم العدل بين الزّوجات فيها، فجعل بيان تحليتهم مقصودا بالذّات، ولعلّ هذا هو الباعث على تقديم التّحلية على بيان حال اللّباس".
ونضيف إليه أنّ تغيير الأسلوب وكذا تأخير اللّباس كلاهما لرعاية الرّويّ؛ ولدخول الحرير في الحلية؛ إذ لو قال:"و يلبسون حريرا"لخالف الرّويّ، ولكان عطفا على (يحلّون) خارجا عن الحلية. وأمّا في هذا الأسلوب فالحرير يعدّ لباسا وحلية معا.
سابعا: جاء في (11) جَنَّةً وَحَرِيرًا وفيها بحوث:
1 -جاء (حريرا) رويّا مناسقا لكثير ممّا قبل الآية وما بعدها في السّورة، مثل: (بصيرا) (سعيرا) (تفجيرا) (مستطيرا) (اسيرا) (قمطريرا) (زمهريرا) (قواريرا) (تقديرا) (كبيرا) وقد سبق أنّه جاء في (9 و10) حرير رعاية للرّويّ أيضا.
2 -جاء فيها (حريرا) من دون ذكر اللّباس والثّياب، فحمله أكثرهم على اللّباس للتّصريح به في (9 و10) وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ* وعمّه بعضهم للّباس والفراش، وهو المرويّ عن الإمام الباقر عليه السّلام:"جنّة يسكنونها وحريرا يفترشونه ويلبسونه".
وقال الشّريف العامليّ:"قد ورد في مواضع من القرآن ما يدلّ على تنعّم أهل الجنّة بالحرير فرشا ولباسا". وليس في القرآن ما يدلّ على كونه فرشا سوى هذه الآية بإطلاقها، لا بعمومها.
وبعضهم كالميبديّ والماورديّ احتمل أنّ (الحرير) كناية عن لين العيش ولذّته وعمّه ابن كثير للجميع، فقال:"منزلا رحبا، وعيشا رغدا، ولباسا حسنا".
والصّواب أنّ حمله على اللّباس موافق لمنطوق القرآن، وعلى غيره تعميم للغرض منه.
3 -جاء فيها جَنَّةً وَحَرِيرًا فجمع بين مسكن فيه