المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 451
ويقال: أحرضته إذا أفسدته، نحو أقذيته إذا جعلت فيه القذى"."
فالمعنى هنا يا أيّها النّبيّ بالغ في حثّ المؤمنين على قتال الكفّار.
وجوّز أن يكون من تحريض الشّخص، وهو أن يسمّيه حرضا. ويقال له: ما أراك إلّا حرضا في هذا الأمر ومحرضا فيه، ونحوه فسقته، أي سمّيته فاسقا، فالمعنى سمّهم حرضا، وهو من باب التّهييج والإلهاب. والمعنى الأوّل هو الظّاهر.
وقرئ (حرّص) بالصّاد المهملة من"الحرص"وهو واضح. (10: 31)
رشيد رضا: [نقل كلام الرّاغب وغيره وأضاف:]
والمعنى: يا أيّها النّبيّ حرّض المؤمنين على القتال ورغّبهم فيه، لدفع عدوان الكفّار، وإعلاء كلمة الحقّ والعدل وأهلهما، على كلمة الباطل والظّلم وأنصارهما، لأنّه من ضرورات الاجتماع البشريّ وسنّة التّنازع في الحياة والسّيادة، كما تقدّم بيانه في تفسير هذا السّياق.
ويشير إليه هنا اختيار التّحريض على ما هو في معناه العامّ كالتّحضيض والحثّ، كأنّه يقول: حثّهم على ما يقيهم أن يكونوا حرضا أو يكونوا من الهالكين، بعدوان الكافرين عليهم، وظلمهم لهم إذا رأوهم ضعفاء مستسلمين. (10: 76)
نحوه المراغيّ. (10: 30)
مكارم الشّيرازيّ: إنّ الجنود والمقاتلين مهما كانوا عليه من استعداد، ينبغي قبل بدء الحرب أن ترفع معنويّاتهم وتشحذ هممهم، وهذا الأمر معروف في جميع النّظم العسكريّة في العالم؛ إذ يقوم قادة الجيوش وأمراؤهم قبل التّحرّك نحو سوح القتال أو عند ساحة القتال، فيلقون خطبا تثيرهم وتقوّي معنويّاتهم، وتحذّرهم من الهزيمة والجبن.
غاية ما في الأمر أنّ مثل هذه التّرغيبات والتّشويق إلى القتال ضعيفة في المدارس المادّيّة ومحدودة، ولكنّها واسعة في الأديان السّماويّة، نظرا للتّعاليم الرّبّانيّة، وتأثير الإيمان باللّه، والتّذكير بمنزلة الشّهداء عند ربّهم ومقامهم عنده، وما ينتظرهم من الثّواب الجزيل البعيد المدى، وما سينالونه من العزّة والفخر عند انتصارهم، فكلّ ذلك يحرّك روح البطولة والثّبات في نفوس الجنود، فتلاوة بعض آيات القرآن في الحروب الإسلاميّة تشحذ الجنديّ عزما وقوّة وإقداما لا حدود له، ويتّقد فيه الشّوق والعشق للتّضحية والفداء.
وعلى كلّ حال فإنّ الآية توضّح أهمّيّة الإعلام والتّبليغ، وشحذ همم المقاتلين والجنود ومعنويّاتهم، باعتبار ذلك تعليما إسلاميّا مهمّا. (5: 441)
فضل اللّه: إنّ المعركة الفاصلة بين الإيمان والشّرك تفرض تقوية الموقف، وشدّ العزيمة، وشحذ الهمم.
ولا بدّ للنّبيّ من أن يقوم بدور فاعل في حثّ المؤمنين على القتال، لا سيّما مع القوّة القليلة عددا وعدّة الّتي يملكها المسلمون في مقابل كثرة العدد والعدّة لدى المشركين.
وقد أراد اللّه لنبيّه أن يدعوهم للصّبر الّذي يدفعهم إلى مواجهة الآلام والمشاكل، والتّحدّيات الّتي تفرضها المعركة، بروح قويّة راضية مطمئنّة، فرحة بالجهد الّذي