فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 474
واشتهارها ممّا هنا. وذلك لأنّ الظّرف يدلّ على أنّه بعد ما ثبت الموضع وتقرّر حرّفوه عنه. واختار ذلك هنا لك، لأنّ فيه ما يقتضي الإتيان بالأدلّ الأبلغ. (5: 46)
رشيد رضا: تحريف الكلم عن مواضعه، هو إمالته وتنحيته عنها كأن يزيلوه بالمرّة، أو يضعوه في مكان غير مكانه من الكتاب، أو المراد ب (مواضعه) : معانيه، كأن يفسّروه بغير ما يدلّ عليه، قال الأستاذ الإمام:
التّحريف يطلق على معنيين:
أحدهما: تأويل القول بحمله على غير معناه الّذي وضع له، وهو المتبادر، لأنّه هو الّذي حملهم على مجاحدة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وإنكار نبوّته وهم يعلمون؛ إذ أوّلوا ولا يزالون يؤوّلون البشارات به إلى اليوم، كما يؤوّلون ما ورد في المسيح، ويحملونه على شخص آخر لا يزالون ينتظرونه.
ثانيهما: أخذ كلمة أو طائفة من (الكلم) من موضع من الكتاب، ووضعها في موضع آخر، وقد حصل مثل هذا التّشويش في كتب اليهود: خلطوا فيما يؤثر عن موسى عليه السّلام ما كتب بعده بزمن طويل، وكذلك وقع في كلام غيره من الأنبياء. وقد اعترف بهذا بعض المتأخّرين من أهل الكتاب، وإنّما كان هذا منهم بقصد الإصلاح.
وهذا النّوع من التّحريف لا يضرّ المسلمين، ولم يكن هو الحامل على إنكار ما جاء به النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم.
هذا ما قرّره الأستاذ الإمام في الدّرس، وكتبت في مذكّرتي عند كتابته: كأنّه وجد عندهم قراطيس متفرّقة، أي بعد أن فقدت النّسخة الّتي كتبها موسى عليه السّلام، فأرادوا أن يؤلّفوا بين الموجود فجاء فيه ذلك الخلط، وهذا سبب ما جاء في أسفار التّوراة من الزّيادة والتّكرار.
وقد أثبت العلماء تحريف كتب العهد العتيق والعهد الجديد بالشّواهد الكثيرة. وفي كتاب"إظهار الحقّ"للشّيخ رحمة اللّه الهنديّ مئة شاهد على التّحريف اللّفظيّ والمعنويّ فيها، والأوّل ثلاثة أقسام: تبديل الألفاظ، وزيادتها، ونقصانها.
فمن الشّواهد على الزّيادة ما جاء في سفر التّكوين"36: 31"و"هؤلاء الملوك الّذين ملكوا في أرض أدوم قبل أن ملك ملك لبني إسرائيل". ولا يمكن أن يكون هذا من كلام موسى عليه السّلام لأنّه لم يكن لبني إسرائيل ملك في تلك الأرض إلّا من بعده، وكان أوّل ملوكهم"شاول"وهو بعد موسى بثلاثة قرون ونصف، وقد قال آدم كلارك- أحد مفسّري التّوراة-: أظنّ ظنّا قويّا قريبا من اليقين أنّ هذه الآيات، أي من (32 - 39) كانت مكتوبة على حاشية نسخة صحيحة من التّوراة، فظنّ النّاقل أنّها جزء المتن، فأدخلها فيه!!
ومنها في سفر تثنية الاشتراع"3: 14):"يائير بن منسيّ أخذ كلّ كورة أرجوب إلى تخم الجشوريّين والمعكيّين ودعاها على اسمه باشان حوّوث يائير إلى هذا اليوم"قال هورن في المجلّد الأوّل من تفسيره بعد إيراد هذه الفقرة والفقرة السّابقة:"هاتان الفقرتان لا يمكن أن يكونا من كلام موسى عليه السّلام، لأنّ الأولى دالّة على أنّ مصنّف هذا الكتاب"سفر التّكوين أو التّوراة كلّها"وجد بعد زمان قامت فيه سلطنة بني إسرائيل، والفقرة الثّانية دالّة على أنّ مصنّفه كان بعد زمان إقامة اليهود في فلسطين"إلى آخر ما قاله، ومنه أنّ هاتين"