فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 489
موصول باللّه، مطمئنّ بهذا الاتّصال.
أمّا ذلك الصّنف من النّاس الّذي يتحدّث عنه السّياق، فيجعل العقيدة صفقة في سوق التّجارة فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وقال: إنّ الإيمان خير، فها هو ذا يجلب النّفع، ويدرّ الضّرع، وينمي الزّرع، ويربح التّجارة ويكفل الرّواج وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ خسر الدّنيا بالبلاء الّذي أصابه فلم يصبر عليه، ولم يتماسك له، ولم يرجع إلى اللّه فيه. وخسر الآخرة بانقلابه على وجهه، وانكفائه عن عقيدته، وانتكاسه عن الهدى الّذي كان ميسّرا له.
والتّعبير القرآنيّ يصوّره في عبادته للّه (على حرف) غير متمكّن من العقيدة، ولا متثبّت في العبادة، يصوّره في حركة جسديّة متأرجحة قابلة للسّقوط عند الدّفعة الأولى، ومن ثمّ ينقلب على وجهه عند مسّ الفتنة، ووقفته المتأرجحة تمهّد من قبل لهذا الانقلاب!
إنّ حساب الرّبح والخسارة يصلح للتّجارة، ولكنّه لا يصلح للعقيدة، فالعقيدة حقّ يعتنق لذاته، بانفعال القلب المتلقّي للنّور، والهدى الّذي لا يملك إلّا أن ينفعل بما يتلقّى. والعقيدة تحمل جزاءها في ذاتها، بما فيها من طمأنينة وراحة ورضى، فهي لا تطلب جزاءها خارجا عن ذاتها. والمؤمن يعبد ربّه شكرا له على هدايته إليه، وعلى اطمئنانه للقرب منه والأنس به، فإن كان هنالك جزاء فهو فضل من اللّه ومنّة، استحقاقا على الإيمان أو العبادة.
والمؤمن لا يجرّب إلهه، فهو قابل ابتداء لكلّ ما يقدّره له، مستسلم ابتداء لكلّ ما يجرّ به عليه، راض ابتداء بكلّ ما يناله من السّرّاء والضّرّاء. وليست هي صفقة في السّوق بين بائع وشار، إنّما هي إسلام المخلوق للخالق، صاحب الأمر فيه، ومصدر وجوده من الأساس.
عزّة دروزة: (على حرف) على طرف، والمقصد على غير اطمئنان وإيمان صادق.
وفي هذه الآيات إشارة تنديديّة ثالثة إلى فريق من النّاس يعبد اللّه على غير اطمئنان وإيمان صادق، ويكون طرفا مذبذبا، فإذا أصابه خير اطمأنّ وابتهج به، وإذا أصابه شرّ انقلب عن موقفه، وجحد ما كان عليه، وأخذ يدعو غير اللّه الّذي لا ينفعه ولا يضرّه، بل والّذي ضرره هو الأوكد. وفي هذا من الخسران الدّنيويّ والأخرويّ والضّلال البعيد ما فيه. (7: 79)
ابن عاشور: تمثيل لحال المتردّد في عمله، يريد تجربة عاقبته بحال من يمشي على حرف جبل أو حرف واد، فهو متهيّ ء لأن يزلّ عنه إلى أسفله فينقلب.
مغنيّة: في الآية السّابقة ذكر سبحانه من يكفر باللّه، ويجادل فيه بغير علم، وفي هذه الآية ذكر الّذي يعبد اللّه على حرف. واختلف المفسّرون في المراد منه على أقوال؛ منها: أنّه يعبد اللّه على شكّ في دينه. ومنها:
أنّه يعبده بلسانه دون قلبه، إلى غير ذلك.
ولا وجه لهذا الاختلاف، لأنّ اللّه قد بيّن هذا الّذي يعبده على حرف، وفسّره بقوله: فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ....
ومحصّل المعنى: أنّ الّذي يعبد اللّه على حرف هو