فهرس الكتاب

الصفحة 6841 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 512

بالنّار، وهذا ظاهر في أنّه صار ذا لحم ودم، وكذا ما في مصحف أبيّ وعبد اللّه (لنذبّحنّه ثمّ لنحرّقنّه) .

وجوّز أبو عليّ أن يكون"نحرّق"مبالغة في حرق الحديد حرقا بفتح الرّاء، إذا برده بالمبرد. ويؤيّد قراءة عليّ كرّم اللّه تعالى وجهه، وحميد وعمرو بن فايد وأبي جعفر في رواية، وكذا ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما (لنحرقنّه) بفتح النّون وسكون الحاء وضمّ الرّاء، فإنّ حرق يحرق بالضّمّ مختصّ بهذا المعنى كما قيل. وهذا ظاهر في أنّه لم يصر ذا لحم ودم، بل كان باقيا على الجماديّة.

وزعم بعضهم أنّه لا بعد على تقدير كونه حيّا في تحريقه بالمبرد؛ إذ يجوز خلق الحياة في الذّهب مع بقائه على الذّهبيّة عند أهل الحقّ.

وقال بعض القائلين بأنّه صار حيوانا ذا لحم ودم: أنّ التّحريق بالمبرد كان للعظام، وهو كما ترى. وقال النّسفيّ: تفريقه بالمبرد طريق تحريقه بالنّار، فإنّه لا يفرق الذّهب إلّا بهذا الطّريق، وجوّز على هذا أن يقال: إنّ موسى عليه السّلام حرقه بالمبرد ثمّ أحرقه بالنّار. وتعقّب بأنّ النّار تذيبه وتجمعه ولا تحرقه وتجعله رمادا، فلعلّ ذلك كان بالحيل الإكسيريّة، أو نحو ذلك. (16: 257)

الطّباطبائيّ: أي أقسم لنحرّقنّه بالنّار ثمّ لنذرينّه في البحر ذروا. وقد استدلّ بحديث إحراقه على أنّه كان حيوانا ذا لحم ودم، ولو كان ذهبا لم يكن لإحراقه معنى. وهذا يؤيّد تفسير الجمهور السّابق أنّه صار حيوانا ذا روح بإلقاء التّراب المأخوذ من أثر جبريل عليه. لكنّ الحقّ أنّه إنّما يدلّ على أنّه لم يكن ذهبا خالصا، لا غير.

وقد احتمل بعضهم أن يكون (لنحرقنّه) من حرق الحديد، إذا برده بالمبرد، والمعنى: لنبردنّه بالمبرد ثمّ لنذرينّ برادته في البحر، وهذا أنسب. (14: 198)

مكارم الشّيرازيّ: هنا يأتي سؤالان:

الأوّل: أنّ جملة لَنُحَرِّقَنَّهُ تدلّ على أنّ العجل كان جسما قابلا للاشتعال، وهذا يؤيّد عقيدة من يقولون: إنّ العجل لم يكن ذهبيّا بل تبدلّ إلى موجود حيّ، بسبب تراب قدم جبرئيل.

ونقول في الجواب: إنّ ظاهر جملة جَسَدًا لَهُ خُوارٌ هو أنّ العجل كان جسدا لا روح فيه، كان يخرج منه صوت يشبه خوار العجل بالطّريقة الّتي قلناها سابقا.

أمّا مسألة الإحراق فمن الممكن أن تكون لأحد سببين:

أحدهما: أنّ هذا التّمثال لم يكن ذهبيّا خالصا، بل يحتمل أنّ الخشب قد استعمل في صنعه، وطلي بالذّهب.

والآخر: أنّه على فرض أنّه كان من الذّهب فقط، فإنّ إحراقه كان للتّحقير والإهانة وتعرية شكله الظّاهريّ وإسقاطه، كما تكرّر هذا الأمر في تماثيل الملوك المستكبرين الجبابرة في عصرنا.

بناء على هذا فإنّهم بعد حرقه كسروه قطعا صغيرة بآلات معيّنة، ثمّ ألقوا ذرّاته في البحر.

والسّؤال الآخر هو: هل كان إلقاء كلّ هذا الذّهب في البحر جائزا، ولم يكن يعدّ إسرافا؟

والجواب: قد يكون مثل هذا التّعامل مع الأصنام واجبا في بعض الأحيان، إذا أريد منه تحقيق هدف أهمّ وأسمى، كتحطيم وسحق فكرة عبادة الأصنام، لئلّا يبقى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت