فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 768
تحسبنّ) بالتّاء.
ثمّ اختلف أهل العربيّة في تأويل ذلك، فقال بعض نحويّي الكوفة: معنى ذلك: لا يحسبنّ الباخلون البخل هو خيرا لهم. فاكتفى بذكر (يبخلون) من البخل، كما تقول:
قدم فلان فسررت به، وأنت تريد فسررت بقدومه، وهو عماد.
وقال بعض نحويّي أهل البصرة: إنّما أراد بقوله:
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ لا تحسبنّ البخل هو خيرا لهم، فألقى الاسم الّذي أوقع عليه الحسبان به وهو البخل، لأنّه قد ذكر الحسبان، وذكر ما آتاهم اللّه من فضله، فأضمرهما إذ ذكرهما.
قال: وقد جاء من الحذف ما هو أشدّ من هذا، قال:
لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ الحديد: 10، ولم يقل: ومن أنفق من بعد الفتح، لأنّه لمّا قال: أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ كان فيه دليل على أنّه قد عناهم.
وقال بعض من أنكر قول من ذكرنا قوله من أهل البصرة: إنّ (من) في قوله: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ في معنى جمع، ومعنى الكلام: لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح في منازلهم وحالاتهم، فكيف من أنفق من بعد الفتح، فالأوّل مكتف. وقال في قوله: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ محذوف، غير أنّه لم يحذف إلّا وفي الكلام ما قام مقام المحذوف، لأنّ (هو) عائد البخل، و (خيرا لهم) عائد الأسماء، فقد دلّ هذان العائدان على أنّ قبلهما اسمين، واكتفى بقوله: (يبخلون) من البخل.
قال: وهذا إذا قرئ بالتّاء، فالبخل قبل (الّذين) ، وإذا قرئ بالياء، فالبخل بعد (الّذين) ، وقد اكتفى ب (الّذين يبخلون) من البخل. [ثمّ استشهد بشعر]
وأولى القراءتين بالصّواب في ذلك عندي، قراءة من قرأ (و لا تحسبنّ الّذين يبخلون) بالتّاء، بتأويل: ولا تحسبنّ أنت يا محمّد بخل الّذين يبخلون بما أتاهم اللّه من فضله، هو خيرا لهم، ثمّ ترك ذكر البخل؛ إذ كان في قوله:
(هُوَ خَيْرًا لَهُمْ) دلالة على أنّه مراد في الكلام؛ إذ كان قد تقدّمه قوله: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ.
وإنّما قلنا قراءة ذلك بالتّاء أولى بالصّواب من قراءته بالياء، لأنّ المحسبة من شأنها طلب اسم وخبر، فإذا قرئ قوله: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بالياء لم يكن للمحسبة اسم، يكون قوله: هُوَ خَيْرًا لَهُمْ خبرا عنه، وإذا قرئ ذلك بالتّاء كان قوله: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ اسما له، قد أدّى عن معنى البخل الّذي هو اسم المحسبة المتروك، وكان قوله: هُوَ خَيْرًا لَهُمْ خبرا لها، فكان جاريا مجرى المعروف من كلام العرب الفصيح. فلذلك اخترنا القراءة بالتّاء في ذلك على ما بيّنّاه، وإن كانت القراءة بالياء غير خطإ، ولكنّه ليس بالأفصح ولا الأشهر من كلام العرب. (4: 188)
أبو زرعة: قرأ حمزة (و لا تحسبنّ الّذين يبخلون) بالتّاء، خطاب للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، ف (الّذين) في موضع نصب على المفعول الأوّل، وخَيْرًا لَهُمْ المفعول الثّاني. قال أحمد بن يحيى: الوجه عندنا بالتّاء، ليكون للمحسبة