فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 770
أخاك قائما ويقوم وقام، فقارئ هذه القراءة أصحب"يحسب"خبرا لغير مخبر عنه مذكور، وإنّما كان مراده:
ظنّي ولا يحسبنّ الّذين كفروا سبقوا أنّهم لا يعجزوننا، فلم يفكّر في صواب مخرج الكلام وسقمه، واستعمل في قراءته ذلك كذلك ما ظهر له من مفهوم الكلام.
وأحسب أنّ الّذي دعاه إلى ذلك الاعتبار بقراءة عبد اللّه، وذلك أنّه فيما ذكر في مصحف عبد اللّه: (و لا يحسبنّ الّذين كفروا انّهم سبقوا انّهم لا يعجزون) وهذا فصيح صحيح إذا أدخلت (أنّهم) في الكلام، لأنّ (يحسبنّ) عاملة في (أنّهم) ، وإذا لم يكن في الكلام (أنّهم) كانت خالية من اسم تعمل فيه.
وللّذي قرأ من ذلك من القرّاء وجهان في كلام العرب وإن كانا بعيدين من فصيح كلامهم: أحدهما: أن يكون أريد به: ولا يحسبنّ الّذين كفروا أن سبقوا، أو أنّهم سبقوا، ثمّ حذف"أن"و"أنّهم"، كما قال جلّ ثناؤه:
وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا الرّوم: 24، بمعنى: أن يريكم. [ثمّ استشهد بشعر]
وكذلك قراءة من قرأ ذلك بالياء، يوجّه (سبقوا) إلى"سابقين"على هذا المعنى.
والوجه الثّاني: على أنّه أراد إضمار منصوب ب"يحسب"، كأنّه قال: ولا يحسب الّذين كفروا أنّهم سبقوا، ثمّ حذف الهمز وأضمر. وقد وجّه بعضهم معنى قوله: إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ آل عمران: 175، إنّما ذلكم الشّيطان يخوّف المؤمن من أوليائه، وأنّ ذكر المؤمن مضمر في قوله: (يخوّف) ، إذ كان الشّيطان عنده لا يخوّف أولياءه.
وقرأ ذلك بعض أهل الشّام: (و لا تحسبنّ الّذين كفروا) بالتّاء من"تحسبن" (سبقوا انّهم لا يعجزون) بفتح الألف من (انّهم) ، بمعنى: ولا تحسبنّ الّذين كفروا أنّهم لا يعجزون، ولا وجه لهذه القراءة يعقل إلّا أن يكون أراد القارئ ب"لا"الّتي في يعجزون"لا"الّتي تدخل في الكلام حشوا وصلة. فيكون معنى الكلام حينئذ: ولا تحسبنّ الّذين كفروا سبقوا أنّهم يعجزون.
ولا وجه لتوجيه حرف في كتاب اللّه إلى التّطويل بغير حجّة يجب التّسليم لها، وله في الصّحّة مخرج.
قال أبو جعفر: والصّواب من القراءة في ذلك عندي قراءة من قرأ: (لا تحسبن) بالتّاء (الّذين كفروا سبقوا انّهم) بكسر الألف من (انّهم لا يعجزون) بمعنى: ولا تحسبنّ أنت يا محمّد الّذين جحدوا حجج اللّه وكذّبوا بها سبقونا بأنفسهم، ففاتونا، إنّهم لا يعجزوننا: أي يفوتوننا بأنفسهم، ولا يقدرون على الهرب منّا. (10: 28)
الزّجّاج: معناها: لا يحسبنّ من أفلت من هذه الحرب قد سبق إلى الحياة. والقراءة الجيّدة (لا تحسبنّ) بالتّاء على مخاطبة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وتكون (تحسبنّ) عاملة في (الّذين) ويكون (سبقوا) الخبر. ويجوز فتح السّين وكسرها.
وقد قرأ بعض القرّاء وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالياء، ووجهها ضعيف عند أهل العربيّة إلّا أنّها جائزة، على أن يكون المعنى: ولا يحسبنّ الّذين كفروا أن سبقوا.
لأنّها في حرف ابن مسعود (أنّهم سبقوا) . فإذا كانت كذلك فهو بمنزلة قولك: حسبت أن أقوم، وحسبت أقوم، على حذف"أن"، وتكون أقوم وقام تنوب عن الاسم