فهرس الكتاب

الصفحة 7110 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 780

بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ لمّا جعل بدلا من الأوّل وعدّي إلى مفعوليه، استغني بها في تعدية الأوّل إليهما، كما استغني في قول الشّاعر:

بأيّ كتاب أم بأيّة سنّة ... ترى حبّهم عارا عليّ وتحسب

فاكتفى بتعدية أحد الفعلين إلى المفعولين عن تعدية الآخر إليهما.

فإن قال قائل: كيف يستقيم تقدير البدل، وقد دخل الفاء بينهما، ولا يدخل بين البدل والمبدل منه الفاء؟

والجواب: أنّ الفاء زائدة، يدلّك على ذلك أنّها لا يجوز أن تكون الّتي تدخل على الخبر، لأنّ ما قبل الفاء ليس بمبتدإ، فتكون الفاء خبره، ولا تكون العاطفة، لأنّ المعنى: لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا ويحبّون أنفسهم بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ فإذا كان ذلك لم يجز تقدير العطف، لأنّ الكلام لم يستقلّ بعد، فيستقيم فيه تقدير العطف.

وأمّا قوله: فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ فإنّ فعل الفاعل الّذي هو يحسبون تعدّى إلى ضميره، وحذفت واو الضّمير لدخول النّون الثّقيلة. وقوله: بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ في موضع المفعول الثّاني، وفيه ذكر المفعول الأوّل. وفعل الفاعل في هذا الباب يتعدّى إلى ضمير نفسه نحو ظننتني أخاه، لأنّ هذه الأفعال لمّا كانت تدخل على الابتداء والخبر أشبهت"إنّ"وأخواتها في دخولهنّ على الابتداء والخبر، كدخول هذه الأفعال عليهما، وذلك نحو قولك:

ظننتني ذاهبا، كما تقول: إنّي ذاهب، ولو قلت: أظنّ نفسي تفعل، لم يجز، كما يجوز: أظننتني فاعلا.

وقال أبو سعيد الخدريّ، وأبو وهب، والزّجّاج:

المعنيّ بهذه الآية قوم من أهل الكتاب دخلوا على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله. [و ذكر نحو الزّجّاج ثمّ قال:]

وقوله: وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا قال البلخيّ: إنّهم قالوا: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ المائدة:

18، وأهل الصّوم والصّلاة، وليسوا بأولياء اللّه، ولا أحبّاؤه، ولا أهل الصّلاة والصّيام، ولكنّهم أهل شرك ونفاق. وهو المرويّ عن أبي جعفر عليه السّلام.

وقال قوم: يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا على أنّهم أبطلوا أمر محمّد صلّى اللّه عليه وآله، وكذّبوا ما أبطلوه، ولا لهم قدرة على ذلك.

وروي عن ابن عبّاس، وسعيد: أنّ الآية نزلت في اليهود؛ حيث كانوا يفرحون بإجلال النّاس لهم ونسبهم إيّاهم إلى العلم. وقال الضّحّاك، والسّدّيّ: نزلت في اليهود حيث فرحوا بما أثبتوا من تكذيب النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله.

وقال سعيد بن جبير: فرحوا بما أتى اللّه آل إبراهيم. وقال ابن عبّاس: إنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله سألهم عن شي ء، فكتموه ففرحوا بكتمانهم.

وأقوى هذه الأقوال أن يكون قوله: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ يعني بها من أخبر اللّه عنهم أنّه أخذ ميثاقهم، ليبيّننّ للنّاس أمر محمّد صلّى اللّه عليه وآله، ولا يكتمونه، لأنّ قوله: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ في سياق الخبر عنهم، وشبيه بقصّتهم مع أنّ أكثر أهل التّأويل عليه.

وقال الجبّائيّ: الآية في المنافقين، لأنّهم كانوا يعطون المؤمنين شيئا يستعينون به على الجهاد، لا على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت