فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 792
الْحِسابِ ففيه مسائل: المسألة الأولى: [ذكر معنى"الحساب"في اللّغة]
المسألة الثّانية: اختلف النّاس في معنى كون اللّه تعالى محاسبا لخلقه على وجوه: أحدها: أنّ معنى (الحساب) أنّه تعالى يعلمهم ما لهم وعليهم، بمعنى أنّه تعالى يخلق العلوم الضّروريّة في قلوبهم بمقادير أعمالهم وكمّيّاتها وكيفيّاتها، وبمقادير ما لهم من الثّواب والعقاب. قالوا:
ووجه هذا المجاز أنّ الحساب سبب لحصول علم الإنسان بماله وعليه، فإطلاق اسم الحساب على هذا الإعلام يكون إطلاقا لاسم السّبب على المسبّب، وهذا مجاز مشهور.
والقول الثّاني: أنّ المحاسبة عبارة عن المجازاة، قال تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا الطّلاق: 8، ووجه المجاز فيه أنّ الحساب سبب للأخذ والإعطاء، وإطلاق اسم السّبب على المسبّب جائز، فحسن إطلاق لفظ الحساب عن المجازاة.
والقول الثّالث: أنّه تعالى يكلّم العباد في أحوال أعمالهم وكيفيّة ما لها من الثّواب والعقاب، فمن قال: إنّ كلامه ليس بحرف ولا بصوت، قال: إنّه تعالى يخلق في أذن المكلّف سمعا يسمع به كلامه القديم، كما أنّه يخلق في عينه رؤية يرى بها ذاته القديمة. ومن قال: إنّه صوت، قال: إنّه تعالى يخلق كلاما يسمعه كلّ مكلّف: إمّا بأن يخلق ذلك الكلام في أذن كلّ واحد منهم، أو في جسم يقرب من أذنه بحيث لا تبلغ قوّة ذلك الصّوت أن تمنع الغير من فهم ما كلّف به. فهذا هو المراد من كونه تعالى محاسبا لخلقه.
المسألة الثّالثة: ذكروا في معنى كونه تعالى سريع الحساب وجوها:
أحدها: أنّ محاسبته ترجع: إمّا إلى أنّه يخلق علوما ضروريّة في قلب كلّ مكلّف بمقادير أعماله ومقادير ثوابه وعقابه، أو إلى أنّه يوصل إلى كلّ مكلّف ما هو حقّه من الثّواب، أو إلى أنّه يخلق سمعا في أذن كلّ مكلّف، يسمع به الكلام القديم، أو إلى أنّه يخلق في أذن كلّ مكلّف صوتا دالّا على مقادير الثّواب والعقاب.
وعلى الوجوه الأربعة فيرجع حاصل كونه تعالى محاسبا إلى أنّه تعالى يخلق شيئا، ولمّا كانت قدرة اللّه تعالى متعلّقة بجميع الممكنات، ولا يتوقّف تخليقه وإحداثه على سبق مادّة ولا مدّة ولا آلة، ولا يشغله شأن عن شأن، لا جرم كان قادرا على أن يخلق جميع الخلق في أقلّ من لمحة البصر. وهذا كلام ظاهر، ولذلك ورد في الخبر:
أنّ اللّه تعالى يحاسب الخلق في قدر حلب ناقة.
وثانيها: أنّ معنى كونه تعالى (سريع الحساب) أنّه سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم؛ وذلك لأنّه تعالى في الوقت الواحد يسأله السّائلون، كلّ واحد منهم أشياء مختلفة من أمور الدّنيا والآخرة فيعطي كلّ واحد مطلوبه من غير أن يشتبه عليه شي ء من ذلك. ولو كان الأمر مع واحد من المخلوقين لطال العدّ، واتّصل الحساب، فأعلم اللّه تعالى أنّه (سريع الحساب) أي هو عالم بجملة سؤالات السّائلين، لأنّه تعالى لا يحتاج إلى عقديد، ولا إلى فكرة ورويّة. وهذا معنى الدّعاء المأثور:"يا من لا يشغله شأن عن شأن".