فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 805
فإذا حملناه على رزق الآخرة احتمل وجوها:
أحدها: أنّه يرزق من يشاء في الآخرة، وهم المؤمنون بغير حساب، أي رزقا واسعا رغدا لا فناء له، ولا انقطاع، وهو كقوله: فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يرزقون فيها بغير حساب. فإنّ كلّ ما دخل تحت الحساب والحصر والتّقدير فهو متناه، فما لا يكون متناهيا كان لا محالة خارجا عن الحساب.
وثانيها: أنّ المنافع الواصلة إليهم في الجنّة بعضها ثواب، وبعضها تفضّل، كما قال: فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ النّساء: 173، فالفضل منه بلا حساب.
وثالثها: أنّه لا يخاف نفادها عنده، فيحتاج إلى حساب ما يخرج منه، لأنّ المعطي إنّما يحاسب ليعلم مقدار ما يعطي وما يبقي، فلا يتجاوز في عطاياه إلى ما يجحف به. واللّه لا يحتاج إلى الحساب، لأنّه عالم غنيّ لا نهاية لمقدوراته.
ورابعها: أنّه أراد بهذا رزق أهل الجنّة؛ وذلك لأنّ الحساب إنّما يحتاج إليه إذا كان بحيث إذا أعطى شيئا انتقص قدر الواجب عمّا كان. والثّواب ليس كذلك، فإنّه بعد انقضاء الأدوار والأعصار يكون الثّواب المستحقّ بحكم الوعد والفضل باقيا؛ فعلى هذا لا يتطرّق الحساب ألبتّة إلى الثّواب.
وخامسها: أراد أنّ الّذي يعطي لا نسبة له إلى ما في الخزانة، لأنّ الّذي يعطي في كلّ وقت يكون متناهيا لا محالة، والّذي في خزانة قدرة اللّه غير متناه، والمتناهي لا نسبة له إلى غير المتناهي، فهذا هو المراد من قوله:
(بغير حساب) وهو إشارة إلى أنّه لا نهاية لمقدورات اللّه تعالى.
وسادسها: بِغَيْرِ حِسابٍ أي بغير استحقاق، يقال: لفلان على فلان حساب، إذا كان له عليه حقّ.
وهذا يدلّ على أنّه لا يستحقّ عليه أحد شيئا، وليس لأحد معه حساب بل كلّ ما أعطاه فقد أعطاه بمجرّد الفضل والإحسان، لا بسبب الاستحقاق.
وسابعها: بِغَيْرِ حِسابٍ أي يزيد على قدر الكفاية. يقال: فلان ينفق بالحساب، إذا كان لا يزيد على قدر الكفاية، فأمّا إذا زاد عليه فإنّه يقال: ينفق بغير حساب.
وثامنها: بِغَيْرِ حِسابٍ أي يعطي كثيرا، لأنّ ما دخله الحساب فهو قليل.
واعلم أنّ هذه الوجوه كلّها محتملة، وعطايا اللّه لها منتظمة، فيجوز أن يكون المراد كلّها، واللّه أعلم.
أمّا إذا حملنا الآية على ما يعطي في الدّنيا أصناف عباده من المؤمنين والكافرين، ففيه وجوه:
أحدها، وهو أليق بنظم الآية: أنّ الكفّار إنّما كانوا يسخرون من فقراء المسلمين، لأنّهم كانوا يستدلّون بحصول السّعادات الدّنيويّة على أنّهم على الحقّ، ويحرمون فقراء المسلمين من تلك السّعادات على أنّهم على الباطل، فاللّه تعالى أبطل هذه المقدّمة بقوله: وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ يعني أنّه يعطي في الدّنيا من يشاء من غير أن يكون ذلك منبئا عن كون المعطى محقّا أو مبطلا أو محسنا أو مسيئا؛ وذلك متعلّق بمحض المشيئة. فقد وسّع الدّنيا على قارون، وضيّقها على