فهرس الكتاب

الصفحة 7136 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 806

أيّوب عليه السّلام. فلا يجوز لكم أيّها الكفّار أن تستدلّوا بحصول متاع الدّنيا لكم، وعدم حصولها لفقراء المسلمين على كونكم محقّين، وكونهم مبطلين. بل الكافر قد يوسّع عليه زيادة في الاستدراج، والمؤمن قد يضيّق عليه زيادة في الابتلاء والامتحان، ولهذا قال تعالى: وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ الزّخرف: 33.

وثانيها: أنّ المعنى: أنّ اللّه يرزق من يشاء في الدّنيا من كافر ومؤمن بغير حساب، يكون لأحد عليه، ولا مطالبة، ولا تبعة، ولا سؤال سائل. والمقصود منه أن لا يقول الكافر: لو كان المؤمن على الحقّ فلم لم يوسّع عليه في الدّنيا؟ وأن لا يقول المؤمن: إن كان الكافر مبطلا فلم وسّع عليه في الدّنيا؟ بل الاعتراض ساقط، والأمر أمره، والحكم حكمه لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ الأنبياء: 23.

وثالثها: قوله: بِغَيْرِ حِسابٍ أي من حيث لا يحتسب، كما يقول الرّجل إذا جاءه ما لم يكن في تقديره: لم يكن هذا في حسابي. فعلى هذا الوجه يكون معنى الآية: أنّ هؤلاء الكفّار وإن كانوا يسخرون من الّذين آمنوا لفقرهم، فاللّه تعالى قد يرزق من يشاء من حيث لا يحتسب، ولعلّه يفعل ذلك بالمؤمنين. قال القفّال رحمه اللّه: وقد فعل ذلك بهم فأغناهم بما أفاء عليهم من أموال صناديد قريش ورؤساء اليهود، وبما فتح على رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بعد وفاته على أيدي أصحابه، حتّى ملكوا كنوز كسرى وقيصر.

فإن قيل: قد قال تعالى في صفة المتّقين وما يصل إليهم: عَطاءً حِسابًا أليس ذلك كالمناقض لما في هذه الآية؟

قلنا: أمّا من حمل قوله: بِغَيْرِ حِسابٍ على التّفضّل، وحمل قوله: عَطاءً حِسابًا على المستحقّ بحسب الوعد، على ما هو قولنا؛ أو بحسب الاستحقاق على ما هو قول المعتزلة، فالسّؤال ساقط.

وأمّا من حمل قوله: بِغَيْرِ حِسابٍ على سائر الوجوه، فله أن يقول: إنّ ذلك العطاء إذا كان يتشابه في الأوقات ويتماثل، صحّ من هذا الوجه أن يوصف بكونه عَطاءً حِسابًا ولا ينقضه ما ذكرناه في معنى قوله:

بِغَيْرِ حِسابٍ. (6: 9)

القرطبيّ: قيل: هو إشارة إلى هؤلاء المستضعفين، أي يرزقهم علوّ المنزلة، فالآية تنبيه على عظيم النّعمة عليهم. وجعل رزقهم بغير حساب من حيث هو دائم لا يتناهى، فهو لا ينعدّ.

وقيل: إنّ قوله: بِغَيْرِ حِسابٍ صفة لرزق اللّه تعالى كيف يصرف؛ إذ هو جلّت قدرته لا ينفق بعدّ، ففضله كلّه بغير حساب، والّذي بحساب ما كان على عمل قدّمه العبد، قال اللّه تعالى: جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِسابًا النّبأ: 36، واللّه أعلم.

ويحتمل أن يكون المعنى بغير احتساب من المرزوقين، كما قال: وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ الطّلاق: 3. (3: 30)

البيضاويّ: بغير تقدير، فيوسّع في الدّنيا استدراجا تارة وابتلاء أخرى. (1: 113)

أبو حيّان: أي بغير نهاية، لأنّ ما لا يتناهى خارج

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت