فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 837
استدلّ بأحاديث]
وقال بعضهم: الآية غير منسوخة، لأنّ النّسخ لا يرد على الأخبار، إنّما يرد على الأمر والنّهي، وقوله:
يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ خبر لا يرد عليه النّسخ.
ثمّ اختلفوا في تأويلها، فقال قوم: قد أثبت اللّه تعالى للقلب كسبا، فقال: بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ البقرة:
225، فليس للّه عبد أسرّ عملا أو أعلنه من حركة في جوارحه أو همّة في قلبه، إلّا يجزه اللّه به ويحاسبه عليه، ثمّ يغفر بما يشاء ويعذّب بما يشاء. وهذا معنى قول الحسن، يدلّ عليه قوله تعالى: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا الإسراء: 36.
وقال الآخرون: معنى الآية: إنّ اللّه عزّ وجلّ يحاسب خلقه بجميع ما أبدوا من أعمالهم أو أخفوه ويعاقبهم عليه، غير أنّ معاقبته على ما أخفوه ممّا لم يعملوه بما يحدث لهم في الدّنيا، من النّوائب والمصائب والأمور الّتي يحزنون عليها. [ثمّ ذكر بعض الرّوايات]
وقال بعضهم: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ يعني ما في قلوبكم ممّا عزمتم عليه أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ولا تبدوه وأنتم عازمون عليه يحاسبكم به اللّه.
فأمّا ما حدّثت به أنفسكم ممّا لم تعزموا عليه، فإنّ ذلك ممّا لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها ولا يؤاخذكم به، دليله قوله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ البقرة: 225.
وقيل: معنى المحاسبة: الإخبار والتّعريف، ومعنى الآية: وإن تبدوا ما في أنفسكم فتعملوا به، أو تخفوه ممّا أضمرتم ونويتم، يحاسبكم به اللّه ويخبركم به ويعرّفكم إيّاه، ثمّ يغفر للمؤمنين إظهارا لفضله، ويعذّب الكافرين إظهارا لعدله. (1: 397)
ابن عطيّة: [نقل الأقوال في الآية وقال:] ورجّح الطّبريّ أنّ الآية محكمة غير منسوخة وهذا هو الصّواب؛ وذلك أنّ قوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا ... معناه ممّا هو في وسعكم وتحت كسبكم؛ وذلك استصحاب المعتقد والفكر فيه، فلمّا كان اللّفظ ممّا يمكن أن تدخل فيه الخواطر أشفق الصّحابة والنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فبيّن اللّه تعالى لهم ما أراد بالآية الأولى وخصّصها، ونصّ على حكمه أنّه لا يكلّف نفسا إلّا وسعها.
والخواطر ليست هي ولا دفعها في الوسع، بل هو أمر غالب، وليست ممّا يكسب ولا يكتسب، وكان في هذا البيان فرحهم وكشف كربهم. وباقي الآية محكمة لا نسخ فيها. (1: 390)
الفخر الرّازيّ: واعلم أنّ محلّ البحث في هذه الآية أنّ قوله: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ يتناول حديث النّفس، والخواطر الفاسدة الّتي ترد على القلب، ولا يتمكّن من دفعها، فالمؤاخذة بها تجري مجرى تكليف ما لا يطاق، والعلماء أجابوا عنه من وجوه:
الأوّل: أنّ الخواطر الحاصلة في القلب على قسمين:
فمنها ما يوطن الإنسان نفسه عليه ويعزم على إدخاله في الوجود، ومنها ما لا يكون كذلك، بل تكون أمورا خاطرة بالبال، مع أنّ الإنسان يكرهها، ولكنّه لا يمكنه دفعها عن النّفس؛ فالقسم الأوّل: يكون مؤاخذا به، والثّاني: لا يكون مؤاخذا به. ألا ترى إلى قوله تعالى: