فهرس الكتاب

الصفحة 7168 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 838

لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ البقرة: 225، وقال في آخر هذه السّورة: لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ البقرة:

286 وقال: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا النّور: 19، هذا هو الجواب المعتمد.

والوجه الثّاني: أنّ كلّ ما كان في القلب ممّا لا يدخل في العمل فهو في محلّ العفو، وقوله: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فالمراد منه: أن يدخل ذلك العمل في الوجود: إمّا ظاهرا، وإمّا على سبيل الخفية، وأمّا ما يوجد في القلب من العزائم والإرادات ولم يتّصل بالعمل، فكلّ ذلك في محلّ العفو.

وهذا الجواب ضعيف، لأنّ أكثر المؤاخذات إنّما تكون بأفعال القلوب. ألا ترى أنّ اعتقاد الكفر والبدع ليس إلّا من أعمال القلوب، وأعظم أنواع العقاب مرتّب عليه، وأيضا فأفعال الجوارح إذا خلت عن أفعال القلوب لا يترتّب عليها عقاب كأفعال النّائم والسّاهي، فثبت ضعف هذا الجواب.

والوجه الثّالث في الجواب: أنّ اللّه تعالى يؤاخذ لها لكن مؤاخذتها هي الغموم والهموم في الدّنيا. روى الضّحّاك عن عائشة رضي اللّه عنها أنّها قالت: ما حدّث العبد به نفسه من شرّ، كانت محاسبة اللّه عليه بغمّ يبتليه به في الدّنيا أو حزن أو أذى، فإذا جاءت الآخرة لم يسأل عنه، ولم يعاقب عليه. وروت أنّها سألت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عن هذه الآية، فأجابها بما هذا معناه.

فإن قيل: المؤاخذة كيف تحصل في الدّنيا مع قوله تعالى: الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ المؤمن:

قلنا: هذا خاصّ فيكون مقدّما على ذلك العامّ.

الوجه الرّابع في الجواب: أنّه تعالى قال: يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ولم يقل: يؤاخذكم به اللّه. وقد ذكرنا في معنى كونه حسيبا ومحاسبا وجوها كثيرة، وذكرنا أنّ من جملة تفاسيره كونه تعالى عالما بها، فرجع معنى هذه الآية إلى كونه تعالى عالما بكلّ ما في الضّمائر والسّرائر. روي عن ابن عبّاس رضي اللّه عنهما أنّه قال: إنّ اللّه تعالى إذا جمع الخلائق يخبرهم بما كان في نفوسهم، فالمؤمن يخبره ثمّ يعفو عنه، وأهل الذّنوب يخبرهم بما أخفوا من التّكذيب والذّنب.

والوجه الخامس في الجواب: أنّه تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ البقرة: 284، فيكون الغفران نصيبا لمن كان كارها لورود تلك الخواطر، والعذاب يكون نصيبا لمن يكون مصرّا على تلك الخواطر مستحسنا لها.

الوجه السّادس: قال بعضهم: المراد بهذه الآية:

كتمان الشّهادة، وهو ضعيف، لأنّ اللّفظ عامّ، وإن كان واراه عقيب تلك القضيّة لا يلزم قصره عليه.

الوجه السّابع في الجواب: ما روينا عن بعض المفسّرين أنّ هذه الآية منسوخة بقوله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها وهذا أيضا ضعيف لوجوه:

أحدها: أنّ هذا النّسخ إنّما يصحّ لو قلنا: إنّهم كانوا قبل هذا النّسخ مأمورين بالاحتراز عن تلك الخواطر، الّتي كانوا عاجزين عن دفعها، وذلك باطل، لأنّ التّكليف قطّ ما ورد إلّا بما في القدرة، ولذلك قال عليه السّلام:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت