فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 863
ب- طرح الشّربينيّ هنا سؤالا، كيف يجمع بينها وبين وَكَفى بِنا حاسِبِينَ الأنبياء: 47؟
وأجاب تارة بأنّ المراد به هنا (شاهدا) ، وهناك (محاسبا) ، وأخرى بأنّ للقيامة مواقف مختلفة، ففي موقف وكّل اللّه حسابهم إلى أنفسهم- وعلمه محيط بهم- وفي آخر يحاسبهم هو.
ونقول: لا اختلاف بين الآيتين، فإنّ المحاسب لجميع الأعمال هو اللّه تعالى، وكفى به حسيبا لعلمه الكامل وعدله الشّامل، إلّا أنّه قد أنصف عباده بأن جعلهم حاسبا وشاهدا على أعمالهم الّتي يقرؤونها في كتب أعمالهم، إتماما للحجّة عليهم، وتكريما لهم، بأن فوّض الحكم فيها إليهم، ولم يستبدّ هو بالحكم عليهم.
ج- وللقشيريّ كلام لطيف في الآية حاصله: أنّ من ساعدته العناية الأزليّة حفظ اللّه عليه ما يكون من أعماله وبالا عليه يوم حسابه، فلا يظهرها له. وغيرهم ممّن أهملهم يحكّمهم في أحوال أنفسهم، فتركهم وأعمالهم، فيطّلعون عليها، فيحكمون على أنفسهم باستحقاقهم للعذاب، وكم لهم من حسرة يتجرّعونها، وخيبة يتلقّونها!!
وزاد: ويقال: من حاسبه بكتابه فكتابه ملازمه في حسابه، فيقول: ربّ لا تحاسبني بكتابي، ولكن حاسبني بما قلت:"إنّك غافر الذّنب وقابل التّوب"لا تعاملني بمقتضى كتابي ففيه بواري وهلاكي.
هذه كلّها في الصّنف الأوّل من"آيات الحساب"وهو حساب الأعمال في الدّنيا أو الآخرة.
الصّنف الثّاني: حساب الأشياء 5 آيات: (90 - 94) وهي ثلاثة أقسام: اثنتان حساب الأيّام والسّنين، واثنتان حساب الشّمس والقمر- جاء الأوّل بلفظ حساب والثّاني بلفظ حسبان- وواحدة حسبان السّماء.
أ- حساب الأيّام والسّنين:
(90) : هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ* إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ.
(91) : وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ...
وفيهما بحوث:
1 -قد جمع اللّه بين الشّمس والقمر واللّيل والنّهار في آيات، للعلاقة الماسّة بينها، فإنّ اللّيل والنّهار تتبعان حركة الشّمس والقمر- لا حظ الموادّ الأربع- وكذلك جاء في الآيتين فقد بدأ اللّه الأولى بجعل الشّمس والقمر ضياء ونورا وتقدير منازلهما، ثمّ تلاه باختلاف اللّيل والنّهار: أي تواليهما، أو اختلافهما ظلمة ونورا- وهو الظّاهر- وعكس الأمر في الثّانية حيث بدأ بجعل اللّيل والنّهار آيتين، ثمّ تلاه بالإيماء إلى الشّمس والقمر، وهما سببان وآيتان للّيل والنّهار. فمحى آية اللّيل- وهي القمر- أي طمس نوره بما جعل فيه من السّواد.
وأبصر، أي أضاء آية النّهار- وهي الشّمس-
هكذا فسّرها الطّبرسيّ (ج 3: 402) ، ثمّ حكى