فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 864
وجها آخر، وهو أنّ المراد بآية اللّيل والنّهار: نفس اللّيل والنّهار، لا الشّمس والقمر. وعليه فهي ساكتة عن ذكر الشّمس والقمر. وهذا أنسب لما بعده: لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ لأنّه راجع إلى النّهار، والأوّل أنسب بآخر الآية: وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ، لأنّ عدد السّنين يعلم بالشّمس والقمر أوّلا ثمّ بسواد اللّيل وضياء النّهار. وأيضا إنّه موافق للآية الأولى حيث فرّع فيها العلم بالسّنين والحساب على منازل الشّمس والقمر.
2 -جاء في الآيتين عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ دون (عدد السّنين والأيّام) الّذي فسّروها به، والسّرّ فيه- كما أشار إليه النّسفيّ-: أنّ عدد السّنين يشمل الشّهور والأيّام، أمّا (الحساب) فيعمّ حساب الآجال وكلّ ما يحتاج إلى العدّ والحساب- وهو الأقرب-
وحمله ابن عاشور على حساب القمر. لأنّ حساب السّنين خاصّ بالشّمس، وجعل"اللّام"للعهد أي الحساب المعروف، وهو حساب الأيّام والأشهر، إذ السّنة الشّرعيّة قمريّة، ولأنّ الضّمير في (قدّره) (90) عائد على"القمر"وللشّمس حساب آخر وهو حساب الفصول، كما جاء في الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ فمن معرفة اللّيالي تعرف الأشهر، ومن معرفة الأشهر تعرف السّنة، كذا أفاد.
وأرجعه بعضهم إلى الشّمس والقمر معا بتقدير"كلّ منهما"والأمر سهل.
3 -وقال ابن عاشور أيضا:"و في هذه الآية إشارة إلى أنّ معرفة ضبط التّاريخ نعمة أنعم اللّه بها على البشر".
ب- حساب الشّمس والقمر
(92) : الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ* وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ.
(93) : فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبانًا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ* وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.
وفيهما بحوث أيضا:
1 -في لفظ"حسبان"قولان: أحدهما أنّه مصدر كالحساب، مثل السّكران والغفران والطّغيان. يقال:
حسبته حسابا وحسبانا، كما يقال: كفرته كفرانا، وغفرته غفرانا.
وثانيهما: أنّه جمع"حساب"مثل"الشّهاب والشّهبان"، والأوّل أقرب معنى في الآيتين، كما يأتي.
2 -"حسبان"جاء نكرة فيهما: مجرورا في الأولى:
(بحسبان) خبرا للمبتدإ، وهو الشّمس والقمر- بناء على قراءة الرّفع فيهما- أي الشّمس والقمر- يجريان بحساب معيّن، ومنصوبا في الثّانية مفعولا: وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبانًا أي وسيلة للحساب.
3 -ومقتضى ذلك أنّ"حسبان"فيهما مصدر مفرد لا جمعا، إلّا أنّ ظاهر الأولى أنّ"حسبان"عبارة عن حساب جريان الشّمس والقمر، أي يجريان ويتحرّكان بحساب معيّن وتقدير منظّم. وظاهر الثّانية أنّهما موجبان لحساب السّنين والأيّام. فالحساب في الأولى لنفس الشّمس والقمر، وفي الثّانية لما يترتّب عليهما من حساب الأوقات، وهذا يستفاد من الأولى أيضا