المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 875
خامسها: أنّه أعان عدوّ اللّه إبليس، والحاسد لا ينال في المجالس إلّا ندامة، ولا ينال عند الملائكة إلّا لعنة، ولا ينال في الدّنيا إلّا جزعا وغمّا؛ ولا ينال في الآخرة إلّا حزنا واحتراقا، ولا ينال من اللّه تعالى إلّا بعدا ومقتا.
وروي عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال: ثلاثة لا يستجاب دعاؤهم:
آكل الحرام، ومكثر الغيبة، ومن كان في قلبه غلّ أو حسد للمسلمين.
وقيل: المراد بالحاسد في الآية: اليهود، فإنّهم كانوا يحسدون النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم. (4: 614)
البروسويّ: [نحو الزّمخشريّ وأضاف:]
ويجوز أن يراد بالحاسد: قابيل، لأنّه حسد أخاه هابيل. والحسد: الأسف على الخير عند الغير.
وفي"فتح الرّحمان"تمنّي زوال النّعمة عن مستحقّها، سواء كانت نعمة دين أو دنيا. وفي الحديث: المؤمن يغبط والمنافق يحسد، وعنه عليه السّلام: الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النّار الحطب. وأوّل ذنب عصي اللّه به في السّماء حسد إبليس لآدم فأخرجه من الجنّة، فطرد وصار شيطانا رجيما، وفي الأرض قابيل لأخيه هابيل فقتله. [إلى أن قال:]
وفيه إشارة إلى حسد النّفس الأمّارة إذا حسدت القلب، وأرادت أن تطفئ نوره، وتوقعه في التّلوين وكفران النّعمة الّذي هو سبب لزوالها. (10: 544)
الآلوسيّ: أي إذا أظهر ما في نفسه من الحسد وعمل بمقتضاه، بترتيب مقدّمات الشّرّ ومبادي الإضرار بالمحسود قولا وفعلا. ومن ذلك- على ما قيل- النّظر إلى المحسود، وتوجيه نفسه الخبيثة نحوه على وجه الغضب. فإنّ نفس الحاسد حينئذ تتكيّف بكيفيّة خبيثة ربّما تؤثّر في المحسود، بحسب ضعفه وقوّة نفس الحاسد شرّا قد يصل إلى حدّ الإهلاك. وربّ حاسد يؤذي بنظره بعين حسده نحو ما يؤذي بعض الحيّات بنظرهنّ.
وذكروا أنّ العائن والحاسد يشتر كان في أنّ كلّا منهما تتكيّف نفسه وتتوجّه نحو من تريد أذاه، إلّا أنّ العائن تتكيّف نفسه عند مقابلة العين والمعاينة، والحاسد يحصل حسده في الغيبة والحضور.
وأيضا العائن قد يعين من لا يحسده من حيوان وزرع وإن كان لا ينفكّ من حسد صاحبه. والتّقييد بذلك إذ لا ضرر قبله بل قيل: إنّ ضرر الحسد إنّما يحيق بالحاسد لا غير، كما قال عليّ كرّم اللّه تعالى وجهه:"للّه درّ الحسد، ما أعد له بدأ بصاحبه فقتله".
وليعلم أنّ الحسد يطلق على تمنّي زوال نعمة الغير، وعلى تمنّي استصحاب عدم النّعمة، ودوام ما في الغير من نقص أو فقر أو نحوه. والإطلاق الأوّل هو الشّائع.
والحاسد بكلا الإطلاقين ممقوت عند اللّه تعالى وعند عباده عزّ وجلّ آت بابا من الكبائر، على ما اشتهر بينهم.
لكنّ التّحقيق: أنّ الحسد الغريزيّ الجبلّي إذا لم يعمل بمقتضاه من الأذى مطلقا بل عامل المتّصف به أخاه بما يحبّ اللّه تعالى مجاهدا نفسه، لا إثم فيه بل يثاب صاحبه على جهاد نفسه، وحسن معاملته أخاه ثوابا عظيما، لما في ذلك من مشقّة مخالفة الطّبع، كما لا يخفى.
ويطلق الحسد على الغبطة مجازا، وكان ذلك شائعا في العرف الأوّل، وهي تمنّي أن يكون له مثل ما لأخيه من النّعمة، من غير تمنّي زوالها، وهذا ممّا لا بأس به.