فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 29
البروسويّ: نداء للحسرة عليهم. والحسرة- وهي أشدّ الغمّ والنّدامة على الشّي ء الفائت- لا تدعى ولا يطلب إقبالها، لأنّها ممّا لا تجيب، والفائدة في ندائها مجرّد تنبيه المخاطب وإيقاظه، ليتمكّن في ذهنه أنّ هذه الحالة تقتضي الحسرة وتوجب التّلهّف. فإنّ العرب تقول: يا حسرة يا عجبا للمبالغة في الدّلالة على أنّ هذا زمان الحسرة والتّعجّب، والنّداء عندهم يكون لمجرّد التّنبيه.
وقد جوّز أن يكون تحسّرا عليهم من جهة اللّه بطريق الاستعارة، لتعظيم ما جنوه على أنفسهم، شبّه استعظام اللّه لجنايتهم على أنفسهم بتحسّر الإنسان على غيره، لأجل ما فاته من الدّولة العظمى، من حيث إنّ ذلك التّحسّر يستلزم استعظام ما أصاب ذلك الغير، والإنكار على ارتكابه والوقوع فيه.
ويؤيّده قراءة (يا حسرتا) لأنّ المعنى: يا حسرتي، ونصبها لطولها بما تعلّق بها من الجارّ، أي لكونها مشابهة بالمنادى المضاف في طولها بالجارّ المتعلّق. [إلى أن قال:]
وفي تفسير"العيون"قوله: يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ بيان حال استهزائهم بالرّسل، أي يقال يوم القيامة: يا حسرة وندامة على الكفّار، حيث لم يؤمنوا برسلهم. (7: 389)
الآلوسيّ: الحسرة على ما قال الراغب: الغمّ على ما فات والنّدم عليه، كأنّ المتحسّر انحسر عنه قواه من فرط ذلك أو أدركه إعياء عن تدارك ما فرط منه. وفي"البحر"هي أن يركب الإنسان من شدّة النّدم ما لا نهاية بعده حتّى يبقى حسيرا. والظّاهر أنّ (يا) للنّداء و (حسرة) هو المنادى، ونداؤها مجاز بتنزيلها منزلة العقلاء، كأنّه قيل: يا حسرة احضري فهذه الحال من الأحوال الّتي من حقّها أن تحضري فيها، وهي ما دلّ عليها قوله تعالى: ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ يس: 30، والمراد ب (العباد) : مكذّبو الرّسل، ويدخل فيهم المهلكون المتقدّمون دخولا أوّليّا.
وقيل: هم المراد وليس بذاك، وبالحسرة المناداة:
حسرتهم، والمستهزؤن بالنّاصحين المخلصين المنوط بنصحهم خير الدّارين، أحقّاء بأن يتحسّروا على أنفسهم؛ حيث فوّتوا عليها السّعادة الأبديّة وعوّضوها العذاب المقيم. ويؤيّد هذا قراءة ابن عبّاس، وأبيّ، وعليّ بن الحسين، والضّحّاك، ومجاهد، والحسن (يا حسرة العباد) بالإضافة، وكون المراد حسرة غيرهم عليهم، والإضافة لأدنى ملابسة خلاف الظّاهر. وأخرج ابن جرير، وغيره عن قتادة أنّه قال في بعض القراآت:
(يا حسرة العباد على انفسها ما ياتيهم) إلخ.
وجوّز أن تكون حسرة الملائكة عليهم السّلام والمؤمنين من الثّقلين، وعن الضّحّاك: تخصيصها بحسرة الملائكة عليهم السّلام، وزعم أنّ المراد ب (العباد) : الرّسل الثّلاثة. وأبو العالية فسّر (العباد) بهذا أيضا، لكنّه حمل"الحسرة"على حسرة الكفّار المهلكين، قال: تحسّروا حين رأوا عذاب اللّه تعالى وتلهّفوا على ما فاتهم.
وقيل: المراد ب (العباد) : المهلكون، والمتحسّر:
الرّجل الّذي جاء من أقصى المدينة تحسّر لمّا وثب القوم لقتله. وقيل: المراد ب (العباد) : أولئك، والمتحسّر الرّسل حين قتلوا ذلك الرّجل وحلّ بهم العذاب، ولم يؤمنوا.