فهرس الكتاب

الصفحة 7242 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 30

ولا يخفى حال هذه الأقوال، وكان مراد من قال:

المتحسّر: الرّجل، ومن قال: المتحسّر: الرّسل؛ عنى أنّ القول المذكور قول الرّجل أو قول الرّسل، وفي كلام أبي حيّان ما هو ظاهر في ذلك، ومع هذا لا ينبغي أن يعوّل على شي ء ممّا ذكر.

وجوّز أن يكون التّحسّر منه سبحانه وتعالى، مجازا عن استعظام ما جنوه على أنفسهم، وأيّد بأنّه قرئ (يا حسرتا على العباد) فإنّ الأصل عليها يا حسرتي، فقلبت الياء ألفا، ونحوها قراءة ابن عبّاس كما قال ابن خالويه (يا حسرة على العباد) بغير تنوين، فإنّ الأصل أيضا يا حسرتي، فقلبت الياء الفا ثمّ حذفت الألف واكتفي عنها بالفتحة.

وقرأ أبو الزّناد، وابن هرمز، وابن جندب (يا حسره على العباد) بالهاء السّاكنة، قال في"المنتقى":

وقف (على حسره) وقفا طويلا تعظيما للأمر، ثمّ قيل:

(على العباد) .

وفي"اللّوامح": وقفوا على الهاء مبالغة في التّحسّر، لما في الهاء من التّأهّه كالتّأوّه، ثمّ وصلوه على تلك الحال.

وقال الطّيّبيّ: إنّ العرب إذا أخبرت عن الشّي ء غير معتدّ به أسرعت فيه، ولم تأت على اللّفظ المعبّر عنه، نحو قلت لها: قفي قالت لنا: قاف أي وقفت، فاقتصرت من جملة الكلمة على حرف منها تهاونا بالحال، وتثاقلا عن الإجابة.

ولا يخفى أنّ هذا لا يناسب المقام، وينبغي على هذه القراءة أن لا يكون (على العباد) متعلّقا ب (حسرة) أو صفة له؛ إذ لا يحسن الوقف حينئذ بل يجعل متعلّقا بمضمر يدلّ عليه (حسرة) نحو يتحسّر أو أتحسّر على العباد، وتقدير (انظروا) ليس بذاك، أو خبر مبتدإ محذوف لبيان المتحسّر عليه، أي الحسرة على العباد.

وتخريج قراءة (يا حسرتا) بالألف على هذا الطّرز:

بأن يقال: قدّر الوقف على المنصوب المنوّن فإنّه يوقف عليه بالألف ك كانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرًا الأحزاب: 27، وضرب زيد عمرا- ليس بشي ء، ولو سلّم أنّه شي ء لا ينافي التّأييد.

وقيل: (يا) للنّداء والمنادى محذوف، و (حسرة) مفعول مطلق لفعل مضمر، و (على العباد) متعلّق بذلك الفعل، أي يا هؤلاء تحسّروا حسرة على العباد.

ولعلّ الأوفق للمقام المتبادر إلى الأفهام أنّ المراد:

نداء حسرة كلّ من يتأتّى منه التّحسّر، ففيه من المبالغة ما فيه. (23: 3)

عبد الكريم الخطيب: يمكن أن يكون هذا نداء من الحقّ سبحانه وتعالى للحسرة، لتقع على الكافرين المكذّبين برسل اللّه، وأن تشتمل عليهم، ليذوقوا عذاب النّدم، إلى جانب العذاب الجهنّميّ، نعوذ باللّه منهما، وهذا ما يشير إليه سبحانه في قوله تعالى: لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ آل عمران: 156.

ويمكن أن يكون ذلك نداء تعجّبيّا من الوجود كلّه، لهذه الحسرة الّتي تقع على النّاس، استفظاعا لها، واشفاقا منها أن تمتدّ ظلالها الكئيبة إلى كلّ موجود. (12: 927)

الطّباطبائيّ: أي يا ندامة العباد. ونداء الحسرة عليهم أبلغ من إثباتها لهم، وسبب الحسرة ما يتضمّنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت