المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 45
الدّنيا.
ب- إنفاق الكافرين أموالهم حسرة عليهم (3) :
1 -تقدّم المعمول (عليهم) على عامله (حسرة) مفردا دون سائر الآيات، وهذا يفيد إثبات الحسرة للكافرين وحصره وقصرهم عليهم، ونفيه عمّن عداهم، وهذا ما يعرف بالقضيّة المسوّرة عند المناطقة.
وتقديم ما حقّه التّأخير في جميع مواضع القرآن ينبئ عن أمر خطير، كما في هذه الآية، لأنّها من سورة الأنفال الّتي نزلت بعد غزوة بدر، فهي تنبئ عمّا سيكون، وهو ما وقع في غزوة أحد، فكانت أموال الكفّار الّتي أنفقوها للصّدّ عن سبيل اللّه عليهم حسرة. ويخبر قوله في نفس الآية: ثُمَّ يُغْلَبُونَ باندحارهم المذهل في فتح مكّة، وهنا سكبوا العبرات، وتجاذبوا الحسرات.
2 -وذكر المفسّرون أسباب كون أموالهم عليهم حسرة، فقال الطّبريّ:"لأنّ أموالهم تذهب ولا يظفرون بما يأملون ويطمعون فيه من إطفاء نور اللّه".
واحتمل الماورديّ لذلك وجهين:"أحدهما: يكون إنفاقها عليهم حسرة وأسفا عليها. والثّاني: تكون خيبتهم فيما أمّلوه من الظّفر عليهم حسرة تحذّرهم بعدها".
وقال الزّمخشريّ:"تكون عاقبة إنفاقها ندما وحسرة، فكأنّ ذاتها تصير ندما وتنقلب حسرة".
وقال الطّبرسيّ:"لا ينتفعون بذلك الإنفاق لا في الدّنيا ولا في الآخرة، بل يكون وبالا عليهم".
ج- التّحسّر على التّفريط في جنب اللّه وفي السّاعة (6 و7) .
1 -خاطب اللّه عباده المسرفين على أنفسهم في آيات ثلاث قبل (6) ، قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ ... وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ الزّمر: 53 - 55، وأمرهم بالانقياد له، وحذّرهم من إتيانهم العذاب بغتة، وحينئذ يقول الإنسان: يا ندامتا على ما فرّطت في جنب اللّه. وأكّد في (7) خسران المكذّبين بلقائه، وبيّن أنّهم يقولون حينما تأتي السّاعة بغتة: يا ندامتنا على ما فرّطنا في الدّنيا.
وسياق الآيتين تخويف لمشركي مكّة بحلول يوم الجزاء بغتة، لأنّهم كانوا سادرين في غيّهم، ماضين في عمايتهم. وليس لمن ركب رأسه أنكى من تخويفه بعقاب مباغت، وتقريعه بتفريط في حقّ اللّه أو حقّ نفس، فجعل لأعماله غاية ومغيّا.
2 -نوديت الحسرة في هاتين الآيتين نداء تنبيه على المجاز، والتّقدير كما قالوا: يا حسرة احضري فهذا أوانك، فالتّنبيه للمخاطبين، وهم أهل مكّة كما ذكرنا.
3 -الألف في (يا حسرتى) دعاء في الاستغاثة، وهي منقلبة عن ياء المتكلّم، أي يا حسرتي، على الإضافة، وبها قرئ. وقرئ أيضا (يا حسرتاي) بسكون الياء وفتحها، و (يا حسرتاه) بهاء السّكت.
4 -ونداء الحسرة فيهما من المسرفين، وفي (8) من اللّه تعالى على العباد كما يأتي.
د- الحسرة على العباد (8) :
1 -المتّحسّر عليه هنا العباد الكافرون بقرينة (يستهزؤن) ، لأنّ العباد المؤمنين لا يستهزئون بالرّسل، وفي الإطلاق: (العباد) هنا نكات، ستأتي في"ع ب د"إن