المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 46
شاء اللّه. كما اختصّت الحسرة والحسرات بالكافرين في جميع المواضع، سواء كانت الحسرة من اللّه عليهم أم من الرّسول أم من أنفسهم؟
2 -وقرّر النّحاة أنّ (يا) حرف نداء، و (حسرة) منادى منكّر للتّكثير، للمبالغة في الدّلالة على أنّ هذا زمان الحسرة والتّعجّب، فليس فيه متحسّر، بل هو نداء مجازيّ يراد به تنبيه المخاطب، كما تقدّم في (6 و7) .
3 -وذهب كثير من المفسّرين إلى أنّه نداء حقيقيّ، والمتحسّر هو اللّه، أو الملائكة، أو الرّسل الثّلاثة، أو الّذي جاء من أقصى المدينة، أو المؤمنون، أو الكافرون.
والمتحسّر عليه الرّسل عامّة، أو الرّسل الثّلاثة خاصّة، أو النّفس.
4 -وقرئ بقراءتين أخريين: (يا حسرة العباد) ، من غير كلمة (على) ، على الإضافة إليهم لاختصاصها بهم؛ من حيث إنّها موجّهة إليهم. والمراد بالمتحسّر عليه في هذه القراءة العباد مكذّبو الرّسل، والمتحسّر هو غيرهم.
و (يا حسره على العباد) بهاء ساكنة، إجراء للوصل مجرى الوقف، كأنّه تأوّه.
ثالثا: وجاء منها (حسرات) : جمع حسرة، مرّتين منكّرتين منصوبتين؛ حالا أو مفعولا لأجله في (9) ، ومفعولا ثالثا ل (يريهم) أو حالا في (10) . وفيهما بحوث:
1 -ذهب المفسّرون قاطبة- عدا قليل منهم- إلى أنّ (حسرات) في (9) مفعول لأجله، أي فلا تذهب نفسك عليهم للحسرات والغمّ، وهو الأصحّ. وجوّز الزّمخشريّ أن يكون حالا، وقال:"كأنّ كلّها صارت حسرات لفرط التّحسّر"، وكذا ينبئ ظاهر كلام ابن عبّاس والطّبريّ.
2 -يفيد تقدّم المعمول (عليهم) على عامله (حسرات) ما أفاده في الآية (3) من عَلَيْهِمْ حَسْرَةً، ومنع الزّمخشريّ أن يتقدّم المتعلّق على المتعلّق به إذا كان مصدرا، وتمحّل لذلك، فجعل (عليهم) تارة صلة (تذهب) ، ومثّل بقولهم: هلك عليه حبّا، ومات عليه حزنا، وجعله بيانا للمتحسّر عليه تارة أخرى.
ولكن لم يرد في السّماع: ذهب عليه، كما في هلك عليه ومات عليه، إلّا أن يضمّن الذّهاب هنا معنى الهلاك والموت، وهذا يحتاج إلى تكلّف وتقدير، وعدم التّقدير أولى من التّقدير، وهو ما ذكرناه، لأنّه يجوز تقديم معمول المصدر عليه إذا كان ظرفا، وهو الأقرب والأصحّ.
3 -عدّ الزّمخشريّ والفخر الرّازيّ وغيرهما (حسرات) في (10) مفعولا ثالثا ل (يريهم) ، وكذا قال ابن عطيّة والبيضاويّ وأبو السّعود والآلوسيّ وغيرهم، إلّا أنّهم اشترطوا على أن تكون الرّؤية قلبيّة، وإذا كانت الرّؤية بصريّة فهو حال؛ وهو وجه حسن.
رابعا: وجاء منها (حسير) مرّة واحدة في (11) ، وهو في محلّ نصب حال من (البصر) ، أو من الضّمير في (خاسئا) . وفيه بحث:
عدّه بعض"فعيلا"بمعنى"فاعل"، وبعض"فعيلا"بمعنى"مفعول"، فيدلّ قول الزّجّاج:"قد أعيا من قبل أن يرى في السّماء خللا"على أنّه فاعل، ويدلّ قول ابن عبّاس:"عيّ كليل منقطع"على أنّه مفعول، من قولهم: