فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 113
ساكتا فهو جائز والجائز حسن، وإن فعلها مسبّحا فهو أحسن. ونظير هذه الآية قوله عزّ وجلّ لموسى عليه السّلام:
فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها الأعراف:
145، وقوله: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ الزّمر: 55. (8: 395)
ابن عطيّة: كلام عامّ في جميع الأقوال، وإنّما القصد الثّناء على هؤلاء ببصائر هي لهم وقوام في نظرهم، حتّى أنّهم إذا سمعوا قولا ميّزوه واتّبعوا أحسنه.
واختلف المفسّرون في العبارة عن هذا. [ثمّ نقل الأقوال السّابقة وقال:]
وهذه أمثلة وما قلناه أوّلا يعمّها. (4: 525)
الطّبرسيّ: أي أولاه بالقبول والعمل به وأرشده إلى الحقّ. [ثمّ نقل الأقوال السّابقة] (4: 493)
مثله شبّر. (5: 308)
الفخر الرّازيّ: واعلم أنّه تعالى لمّا قال: لَهُمُ الْبُشْرى وكان هذا كالمجمل أردفه بكلام يجري مجرى التّفسير والشّرح له، فقال تعالى: فَبَشِّرْ ... أَحْسَنَهُ وأراد بعباده: الّذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، الّذين اجتنبوا وأنابوا لا غيرهم. وهذا يدلّ على أنّ رأس السّعادات ومركز الخيرات ومعدن الكرامات هو الإعراض عن غير اللّه تعالى، والإقبال بالكلّيّة على طاعة اللّه.
والمقصود من هذا اللّفظ التّنبيه على أنّ الّذين اجتنبوا الطّاغوت وأنابوا، هم الموصوفون بأنّهم هم الّذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، فوضع الظّاهر موضع المضمر، تنبيها على هذا الحرف.
ومنهم من قال: إنّه تعالى لما بيّن أنّ الّذين اجتنبوا وأنابوا لهم البشرى، وكان ذلك درجة عالية لا يصل إليها إلّا الأوّلون، وقصر السّعادة عليهم يقتضي الحرمان للأكثرين، وذلك لا يليق بالرّحمة التّامّة، لا جرم جعل الحكم أعمّ، فقال: كلّ من اختار الأحسن في كلّ باب كان في زمرة السّعداء.
واعلم أنّ هذه الآية تدلّ على فوائد:
الفائدة الأولى: وجوب النّظر والاستدلال، وذلك لأنّه تعالى بيّن أنّ الهداية والفلاح مرتبطان بما إذا سمع الإنسان أشياء كثيرة، فإنّه يختار منها ما هو الأحسن الأصوب. ومن المعلوم أنّ تمييز الأحسن الأصوب عمّا سواه لا يحصل بالسّماع، لأنّ السّماع صار قدرا مشتركا بين الكلّ، لأنّ قوله: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ يدلّ أنّ السّماع قدر مشترك فيه، فثبت أنّ تمييز الأحسن عمّا سواه لا يتأتّى بالسّماع وإنّما يتأتّى بحجّة العقل، وهذا يدلّ على أنّ الموجب لاستحقاق المدح والثّناء متابعة حجّة العقل، وبناء الأمر على النّظر والاستدلال.
الفائدة الثّانية: أنّ الطّريق إلى تصحيح المذاهب والأديان قسمان:
أحدهما: إقامة الحجّة والبيّنة على صحّته على سبيل التّحصيل؛ وذلك أمر لا يمكن تحصيله إلّا بالخوض في كلّ واحد من المسائل على التّفصيل.
والثّاني: أنّا قبل البحث عن الدّلائل وتقريرها والشّبهات وتزييفها نعرض تلك المذاهب وأضدادها على عقولنا، فكلّ ما حكم أوّل العقل بأنّه أفضل وأكمل كان أولى بالقبول.