فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 122
صلة وليس له من القبول عائد. وقال الجبّائيّ: المراد يأخذوا بالنّاسخ دون المنسوخ.
وقيل: الأخذ بالأحسن هو أن تحمل الكلمة المحتملة لمعنيين أو لمعان على أشبه محتملاتها بالحقّ، وأقربها للصّواب. ولا ينبغي أن يحمل"الأخذ"على الشّروع، كما في قولك: أخذ زيد يتكلّم، أي شرع في الكلام، و"الأحسن"على العقائد، فيكون المراد أمرهم ليشرعوا بالتّحلّي بالعقائد الحقّة، وهي- لكونها أصول الدّين وموقوفة عليها صحّة الأعمال- أحسن من غيرها من الفروع، وهو متضمّن لأمرهم بجميع ما فيها، كما لا يخفى.
فإن أخذ بالمعنى المعنيّ من أفعال الشّروع، ليس هذا استعمالها المعهود في كلامهم، على أنّ فيه بعد ما فيه، ومثل هذا كون ضمير (احسنها) عائد إلى قوّة، على معنى:
مرهم يأخذوها بأحسن قوّة وعزيمة، فيكون أمرا منه سبحانه أن يأمرهم بأخذها، كما أمره به ربّه سبحانه، إلّا أنّه تعالى اكتفى في أمره عن ذكر الأحسن بما أشار إليه التّنوين، فإنّ ذلك خلاف المأثور المنساق إلى الفهم، مع أنّا لم نجد في كلامهم أحسن قوّة، ومفعول (ياخذوا) عليه محذوف، كما في بعض الاحتمالات السّابقة، غير أنّه فرق ظاهر بين ما هنا وما هناك. (9: 58)
رشيد رضا: قيل: إنّ (احسن) هنا بمعنى ذي الحسن التّامّ الكامل، وليس فيه معنى تفضيل شي ء على آخر، وهو ما يعبّرون عنه بقولهم: اسم التّفضيل على غير بابه، أي وأمر قومك بالاستمساك والاعتصام بهذه المواعظ والأحكام المفصّلة في الألواح الّتي هي كاملة الحسن.
وقيل: إنّه على الأصل، فيه من تفضيل بعض المضاف إليه على بعض، ومنه الحقيقيّ والاعتباريّ والإضافيّ، فأصول العقائد من الإيمان باللّه تعالى وتوحيده وتنزيهه أفضل وأشرف من الأحكام العمليّة، ولكن لا يصحّ أن يراد هنا، قيل: إلّا إذا أريد بالأخذ:
الشّروع والابتداء.
والأوامر أفضل من النّواهي، ويصحّ أن تراد في مثل الأمر بعبادة اللّه وحده والنّهي عن اتّخاذ الصّور والتّماثيل، وكلاهما من الوصايا الّتي كتبت في الألواح؛ وذلك أنّ الإخلاص للّه تعالى في العبارة أمر وجوديّ، يتحلّى به العقل وتتزكّى به النّفس، وترك اتّخاذ الصّور والتّماثيل أمر سلبيّ محض، إذا لم يكن أثرا للإخلاص في العبادة وسدّا للذّريعة، فلا قيمة له، فإنّه لم ينه عنه إلّا لأنّه من ذرائع الشّرك، وإلّا فقد يتركه المرء لعدم الدّاعية وإن كان مشركا.
والفرض أفضل من النّفل، ولكن ليس في الوصايا العشر نوافل، ويقال مثله في قولهم: والعزيمة أفضل من الرّخصة، ومثل هذا التّعبير قوله تعالى: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ... والمجال فيه أوسع، فإنّ القرآن أحسن ما أنزله اللّه تعالى إلى خلقه على ألسنة رسله، بإكماله تعالى الدّين به وبغير ذلك من مزاياه، والخطاب فيه لأمّة الدّعوة، أي للنّاس كافّة، لأنّه معطوف على قوله:
وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ الزّمر: 54.
ثمّ إنّ فيما أنزله فيه العزيمة والرّخصة، وفيه من النّدب ما هو أفضل من مقابله، كالصّدقة بالدّين بدل إنظار المعسر به وهو واجب، وكالعفو في مقابلة