فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 132
مؤنّث أحسن هنا بمعنى أفضل الثّواب أو أفضل العواقب؛ وذلك ما يدّعيه أولئك المغرورون الضّالّون لأنفسهم، مع كلّ ما جاؤوا به من جرائم!
وهنا يطرح السّؤال التّالي نفسه: كيف يقول عرب الجاهليّة بذلك وهم لا يؤمنون بالمعاد؟
والجواب: أنّهم لم ينكروا المعاد مطلقا، وإنّما كانوا ينكرون المعاد الجسمانيّ، ويستوعبون مسألة عودة الإنسان إلى حياته المادّيّة مرّة أخرى.
إضافة إلى إمكان اعتبار قولهم قضيّة شرطيّة، أي إن كان هناك معاد حقّا فسيكون لنا في عالمه أفضل الجزاء! وهكذا هو تصوّر كثير من الجبابرة والمنحرفين من الّذين يعتبرون أنفسهم أقرب النّاس إلى اللّه، وبالرّغم من ادّعاءاتهم الهزيلة المدعاة للسّخريّة.
واحتمل بعض المفسّرين أيضا أنّ (الحسنى) تعني نعمة الأولاد الذّكور، لأنّهم يعتبرون البنات سوء وشرّا، والبنين نعمة وحسنى.
إلّا أنّ التّفسير الأوّل يبدو أكثر صوابا، ولهذا يقول القرآن، وبلا فاصلة: لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ أي أنّهم ليسوا فاقدين لحسن العاقبة فقط بل ولهم النّار.
فضل اللّه: ذلك أنّ الكذب يطبع سلوكهم وحياتهم في كلّ ما يقولونه عن اللّه وعن النّاس وعن أنفسهم، لأنّ الّذين لا يلتزمون بالحقّ في العقيدة، ولا يتحمّلون مسؤوليّة البحث عنه، لا يمكن أن يحترموا الحقيقة في كلامهم، على حساب نوازعهم الذّاتيّة وشهواتهم ومطامعهم الّتي ينطلقون منها ويقرّرون على أساسها أنّ لهم الحسنى. وربّما كان المراد بها الجنّة الّتي قد يرون أنّهم يستحقّونها دون حجّة تؤكّد ذلك أو علم. (13: 250)
10 -وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْرًا. الكهف: 88
ابن عبّاس: الجنّة في الآخرة. (252)
الطّبريّ: يقول: وأمّا من صدّق اللّه منهم ووحّده، وعمل بطاعته فله عند اللّه الحسنى، وهي الجنّة، (جزاء) :
يعني ثوابا على إيمانه، وطاعته ربّه.
وقد اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامّة قرّاء أهل المدينة وبعض أهل البصرة والكوفة (فله جزاء الحسنى) برفع الجزاء وإضافته إلى الحسنى.
وإذا قرئ ذلك كذلك، فله وجهان من التّأويل:
أحدهما: أن يجعل (الحسنى) مرادا بها إيمانه وأعماله الصّالحة، فيكون معنى الكلام إذا أريد بها ذلك: وأمّا من آمن وعمل صالحا فله جزاؤها، يعني جزاء هذه الأفعال الحسنة.
والوجه الثّاني: أن يكون معنيّا ب (الحسنى) : الجنّة، وأضيف"الجزاء"إليها، كما قيل: وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ يوسف: 109، والدّار: هي الآخرة، وكما قال: وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ البيّنة: 5، والدّين هو القيّم.
وقرأ آخرون: فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى بمعنى: فله الجنّة جزاء، فيكون"الجزاء"منصوبا على المصدر، بمعنى:
يجازيهم جزاء الجنّة.
وأولى القراءتين بالصّواب في ذلك عندي قراءة من قرأه: فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى بنصب الجزاء وتنوينه، على