فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 134
الأوّل: قوله: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها مريم: 71، أثبت الورود وهو الدّخول، فدلّ على أنّ هذا الإبعاد هو الإخراج.
الثّاني: أنّ إبعاد الشّي ء عن الشّي ء لا يصحّ إلّا إذا كانا متقاربين، لأنّهما لو كانا متباعدين استحال إبعاد أحدهما عن الآخر، لأنّ تحصيل الحاصل محال.
واحتجّ القاضي عبد الجبّار على فساد هذا القول الأوّل بأمور:
أحدها: أنّ قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى يقتضي أنّ الوعد بثوابهم قد تقدّم في الدّنيا، وليس هذا حال من يخرج من النّار لو صحّ ذلك.
وثانيها: أنّه تعالى قال: أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ وكيف يدخل في ذلك من وقع فيها.
وثالثها: قوله تعالى: لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها الأنبياء: 102، وقوله: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ الأنبياء: 103، يمنع من ذلك.
والجواب عن الأوّل: لا نسلّم أن يقال: المراد من قوله: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى هو أنّ الوعد بثوابهم قد تقدّم، ولم لا يجوز أنّ المراد من (الحسنى) تقدّم الوعد بالعفو. سلّمنا أنّ المراد من (الحسنى) تقدّم الوعد بالثّواب، لكن لم قلتم: إنّ الوعد بالثّواب لا يليق بحال من يخرج من النّار، فإنّ عندنا المحابطة باطلة، ويجوز الجمع بين استحقاق الثّواب والعقاب.
وعن الثّاني: أنّا بيّنّا أنّ قوله: أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ لا يمكن إجراؤه على ظاهره إلّا في حقّ من كان في النّار.
وعن الثّالث: أنّ قوله: لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها مخصوص بما بعد الخروج.
أمّا قوله: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ فالفزع الأكبر هو عذاب الكفّار، وهذا بطريق المفهوم يقتضي أنّهم يحزنهم الفزع الأصغر، فإن لم يدلّ عليه فلا أقلّ من أن لا يدلّ على ثبوته، ولا على عدمه.
الوجه الثّاني: في تفسير قوله: أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ أنّ المراد الّذين سبقت لهم منّا الحسنى لا يدخلون النّار ولا يقربونها ألبتّة، وعلى هذا القول بطل قول من يقول: إنّ جميع النّاس يردون النّار ثمّ يخرجون إلى الجنّة، لأنّ هذه الآية مانعة منه، وحينئذ يجب التّوفيق بينه وبين قوله: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [ثمّ أدام البحث في بقيّة الصّفات فلاحظ، وستجي ء كلّ صفة في محلّها] (22: 226)
الشّربينيّ: أي الحكم بالموعدة البالغة في الحسن في الأزل. (2: 531)
أبو السّعود: أي سبقت لهم منّا في التّقدير الخصلة الحسنى الّتي هي أحسن الخصال وهي السّعادة، وقيل:
التّوفيق للطّاعة. أو سبقت لهم كلمتنا بالبشرى بالثّواب على الطّاعة. وهو الأدخل الأظهر في الحمل عليها لما أنّ الأوّلين مع خفائهما ليسا من مقدورات المكلّفين، فالجملة مع ما بعدها تفصيل لما أجمل في قوله: فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ ... الأنبياء: 94. (4: 359)
نحوه البروسويّ (5: 524) ، والآلوسيّ (17: 97) ،