فهرس الكتاب

الصفحة 7362 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 150

تقدّم في تفسير أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ البقرة: 186، أنّ الطّلب من اللّه تعالى إنّما يكون باتّباع سننه في الأسباب والمسبّبات، والتّوجّه إليه تعالى، واستمداد المعونة والتّوفيق منه، للهداية إلى ما يعجز العبد عنه.

وعلى هذا يتخرّج تفسير الحسن لقوله تعالى: وَقِنا عَذابَ النَّارِ بقوله: أي احفظنا من الشّهوات والذّنوب المؤدّية إليها، فطلب الحياة الحسنة في الدّنيا يكون بالأخذ بأسبابها المجرّبة في الكسب والنّظام في المعيشة، وحسن معاشرة النّاس بآداب الشّريعة والعرف، وقصد الخير في الأعمال كلّها، وتوقّي الشّرور كلّها؛ وطلب الحياة الحسنة في الآخرة يكون بالإيمان الخالص ومكارم الأخلاق والعمل الصّالح بقدر الاستطاعة، وطلب الوقاية من النّار يكون بترك المعاصي واجتناب الرّذائل والشّهوات المحرّمة، مع القيام بالفرائض المحتّمة، هذا هو الطّلب بلسان القلب والعمل.

وأمّا الطّلب بلسان المقال فهو يصدق بما يذكر القلب بأنّ هذه الأسباب من اللّه، فالسّعي لها مع الإيمان هو عين الطّلب من فيضه وإحسانه، مضت سنّته بأن يعطي بها فضلا منه ورحمة، لا بخوارق العادات الّتي لا يعلم محلّها وحكمتها غيره، وأنّه لا يرجع إلى سواه في الهداية إلى ما خفي، والمعونة على ما عسر.

ولم يذكر في التّقسيم من لا يطلب إلّا حسنة الآخرة، لأنّ التّقسيم لبيان ما عليه النّاس في الواقع، ونفس الأمر بحسب داعي الجبلّة وتأثير التّربية وهدى الدّين، ولا يكاد يوجد في البشر من لا تتوجّه نفسه إلى حسن الحال في الدّنيا، مهما يكن غاليا في العمل للآخرة، لأنّ الإحساس بالجوع والبرد والتّعب يحمله كرها على التماس تخفيف ألم ذلك الإحساس، والشّرع يكلّفه ذلك بما يقدر عليه من أسبابه، وقد جعل عليه حقوقا لبدنه ولأهله وولده ولرحمه ولزائريه وإخوانه وأمّته، لا تصحّ عبوديّته إلّا بدعاء اللّه تعالى فيها. (2: 237)

نحوه المراغيّ. (2: 105)

النّهاونديّ: وهي كلّما فيه السّعادة الدّنيويّة، وهي روحانيّة وجسمانيّة داخليّة وخارجيّة. أمّا السّعادة الرّوحانيّة فكمال القوّة النّظريّة بالعلم، وكمال القوّة العمليّة بالأخلاق الجميلة الفاضلة، فإنّهما زينة المرء في الدّارين، وأمّا السّعادة الجسمانيّة الدّاخليّة، وهي السّعادة البدنيّة من الصّحّة والجمال، وأمّا السّعادة الخارجيّة فهي المال والجاه والأقارب والأولاد، وهذه السّعادات كما أنّها حظوظ في الدّنيا مقدّمات ووسائل لتحصيل حظوظ الآخرة. والظّاهر أنّ المراد من الحسنة:

جميع ماله نفع في الآخرة، وليس حبّها وطلبها من حبّ الدّنيا وطلبها بل عين حبّ الآخرة. [و استشهد بأحاديث ثمّ قال:]

والجامع ما ذكرنا وهو جميع ما يكون له نفع في الآخرة، وما يكون معينا على تحصيلها، ثمّ إنّه لإظهار شدّة الاهتمام بالآخرة وأنّها المطلوب النّفسيّ، خصّ نعمها أوّلا بالذّكر صريحا بقوله: وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وهي الثّواب والرّحمة. وعن أمير المؤمنين عليه السّلام: هي الحوراء، وعن الصّادق عليه السّلام: رضوان اللّه والجنّة.

وتنكير الحسنة لعلّه لإظهار المذلّة وعدم القابليّة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت