فهرس الكتاب

الصفحة 7366 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 154

فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ النّمل: 90، وقوله:

ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ النّساء: 79، يعني ما عملت من ذنوب فعوقبت عليها في الدّنيا والآخرة (فمن نفسك) بأفعالك، لأنّ السّارق يقطع والزّاني يجلد ويرجم، والقاتل يقتل، فقد سمّى اللّه تعالى العلل والخوف والشّدّة وعقوبات الذّنوب كلّها سيّئات، فقال: وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ بأعمالك.

وقوله: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يعني الصّحّة والعافية والسّعة، والسّيّئات الّتي هي عقوبات الذّنوب من عند اللّه. (1: 144)

عبد الجبّار: قالوا: ثمّ ذكر تعالى فيها ما يدلّ على أنّ الحسنات والسّيّئات من عنده، فقال: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ...

والجواب عن ذلك: أنّ القضيّة واردة على أمر معلوم، لأنّه تعالى حكى عن الكفّار أنّهم عند وقوع الحسنة والسّيّئة قالوا: إنّ الحسنة من عنده تعالى، والسّيّئة من محمّد عليه السّلام، وما هذا حاله لا يصحّ أن يدعى فيه العموم، لأنّه لا يجوز في ذلك الواقع أن يكون إلّا على صفة واحدة.

وبعد، فإنّ الظّاهر من قوله: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ... وقوله: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يدلّ على أنّ ذلك من فعل غيرهم فيهم، لأنّ ما يختاره الإنسان لا يطلق ذلك فيه، ويبيّن ذلك أنّه إن حمل على أفعال العباد أدّى إلى أنّ القوم كانوا يقولون: إنّ الحسنات من فعل اللّه تعالى وسيّئاتنا من فعل محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم! وليس هذا بمذهب لأحد لأنّه لا فرق بين إضافتهما إليه عليه السّلام فعلا، وبين إضافتهما إلى غيره. ولو كان ذلك مذهبا لحكي ودوّن، لأنّه قد حكي ما هو أخفى منه وأقلّ، وكلّ ذلك يمنع من التّعلّق بظاهره.

والمراد بذلك: ما قد حكي أنّهم كانوا يقولون إذا أصابهم الرّخاء والخصب والسّعة، قالوا: هذه من اللّه، وإذا لحقهم الشّدّة والقحط، قالوا: إنّ هذا لشؤم محمّد، حاشاه صلّى اللّه عليه وآله من ذلك! فقال تعالى مكذّبا لهم: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لأنّ هذه الأمور من فعله تعالى يفعلها بحسب المصالح.

وقد ذكر تعالى في قوم موسى صلّى اللّه عليه مثله، فقال: فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ الأعراف: 131، وقال تعالى مكذّبا لهم لذلك: وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ الأعراف: 168، فبيّن في هذين الأمرين أنّه يفعله بلوى ومصلحة، لكي يرجع العاصي ويقلع عن كفره ومعصيته.

وما قلناه يدلّ على أنّ هذين قد يوصفان بالحسنة والسّيّئة، فليس لأحد أن يدفع ذلك من حيث اللّغة، فأمّا في الحقيقة فالسّيّئة لا تكون إلّا قبيحة، كما يقولون في الشّرّ: إنّه لا يكون إلّا ضررا قبيحا، لكنّه قد يجري على المضارّ من فعله تعالى، على جهة المجاز.

وقوله تعالى بعد ذلك: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ النّساء: 79، يدلّ ظاهره على أنّ العبد هو الفاعل للسّيّئات في الحقيقة، لأنّه تعالى لو أوجدها وفعلها لم يكن يضيفها إلى نفس

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت