فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 156
بسوء تدبيرك، وهو المرويّ عن ابن عبّاس وقتادة.
وقيل: هو عامّ في اليهود والمنافقين، وهو الأصحّ.
وقيل: هو حكاية عمّن سبق ذكره قبل الآية، وهم الّذين يقولون: ربّنا لم كتبت علينا القتال؟
وتقديره: وإن تصب هؤلاء حسنة يقولوا: هذه من عند اللّه، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ.
الفخر الرّازيّ: اعلم أنّه تعالى لمّا حكى عن المنافقين كونهم متثاقلين عن الجهاد خائفين من الموت غير راغبين في سعادة الآخرة، حكى عنهم في هذه الآية خصلة أخرى قبيحة أقبح من الأولى. وفي النّظم وجه آخر، وهو أنّ هؤلاء الخائفين من الموت المتثاقلين في الجهاد من عادتهم أنّهم إذا جاهدوا وقاتلوا فإن أصابوا راحة وغنيمة قالوا: هذه من عند اللّه، وإن أصابهم مكروه قالوا: هذا من شؤم مصاحبة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم. وهذا يدلّ على غاية حمقهم وجهلهم وشدّة عنادهم، وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: ذكروا في الحسنة والسّيّئة وجوها:
الأوّل: قال المفسّرون: كانت المدينة مملوءة من النّعم وقت مقدم الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم، فلمّا ظهر عناد اليهود ونفاق المنافقين أمسك اللّه عنهم بعض الإمساك، كما جرت عادته في جميع الأمم، قال تعالى: وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ الأعراف: 94، فعند هذا قال اليهود والمنافقون: ما رأينا أعظم شؤما من هذا الرّجل، نقصت ثمارنا وغلت أسعارنا منذ قدم. فقوله تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ... يعني الخصب ورخص السّعر وتتابع الأمطار قالوا: هذا من عند اللّه، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ جدب وغلاء سعر قالوا:
هذا من شؤم محمّد، وهذا كقوله تعالى: فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ الأعراف: 131، وعن قوم صالح: قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ النّمل: 47.
القول الثّاني: المراد من الحسنة: النّصر على الأعداء والغنيمة، ومن السّيّئة: القتل والهزيمة.
قال القاضي: والقول الأوّل هو المعتبر، لأنّ إضافة الخصب والغلاء إلى اللّه وكثرة النّعم وقلّتها إلى اللّه جائزة، أمّا إضافة النّصر والهزيمة إلى اللّه فغير جائزة، لأنّ السّيّئة إذا كانت بمعنى الهزيمة والقتل لم يجز إضافتها إلى اللّه.
وأقول: القول كما قال على مذهبه، أمّا على مذهبنا فالكلّ داخل في قضاء اللّه وقدره.
المسألة الثّانية: اعلم أنّ السّيّئة تقع على البليّة والمعصية، والحسنة على النّعمة والطّاعة، قال تعالى:
وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ الأعراف: 168، وقال: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ هود: 114.
إذا عرفت هذا فنقول: قوله: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ... يفيد العموم في كلّ الحسنات، وكذلك قوله:
وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يفيد العموم في كلّ السّيّئات، ثمّ قال بعد ذلك: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فهذا تصريح بأنّ جميع الحسنات والسّيّئات من اللّه، ولمّا ثبت بما ذكرنا أنّ الطّاعات والمعاصي داخلتان تحت اسم الحسنة