فهرس الكتاب

الصفحة 7369 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 157

والسّيّئة، كانت الآية دالّة على أنّ جميع الطّاعات والمعاصي من اللّه، وهو المطلوب.

فإن قيل: المراد هاهنا بالحسنة والسّيّئة ليس هو الطّاعة والمعصية، ويدلّ عليه وجوه:

الأوّل: اتّفاق الكلّ على أنّ هذه الآية نازلة في معنى الخصب والجدب فكانت مختصّة بهما.

الثّاني: أنّ الحسنة الّتي يراد بها الخير والطّاعة لا يقال فيها: أصابتني، إنّما يقال: أصبتها، وليس في كلام العرب أصابت فلانا حسنة بمعنى عمل خيرا، أو أصابته سيّئة بمعنى عمل معصية، فعلى هذا لو كان المراد ما ذكرتم لقال:

إن أصبتم حسنة.

الثّالث: لفظ الحسنة واقع بالاشتراك على الطّاعة وعلى المنفعة، وهاهنا أجمع المفسّرون على أنّ المنفعة مرادة، فيمتنع كون الطّاعة مرادة، ضرورة أنّه لا يجوز استعمال اللّفظ المشترك في مفهوميه معا.

فالجواب عن الأوّل:

أنّكم تسلّمون أنّ خصوص السّبب لا يقدح في عموم اللّفظ.

والجواب عن الثّاني: أنّه يصحّ أن يقال: أصابني توفيق من اللّه وعون من اللّه، وأصابه خذلان من اللّه، ويكون مراده من ذلك التّوفيق والعون تلك الطّاعة، ومن الخذلان تلك المعصية.

والجواب عن الثّالث: أنّ كلّ ما كان منتفعا به فهو حسنة، فإن كان منتفعا به في الآخرة فهو الطّاعة، وإن كان منتفعا به في الدّنيا فهو السّعادة الحاضرة، فاسم الحسنة بالنّسبة إلى هذين القسمين متواطئ الاشتراك، فزال السّؤال، فثبت أنّ ظاهر الآية يدلّ على ما ذكرناه.

وممّا يدلّ على أنّ المراد ليس إلّا ذاك ما ثبت في"بداءة العقول"أنّ كلّ موجود فهو إمّا واجب لذاته، وإمّا ممكن لذاته، والواجب لذاته واحد وهو اللّه سبحانه وتعالى، والممكن لذاته كلّ ما سواه، فالممكن لذاته إن استغنى عن المؤثّر فسد الاستدلال بجواز العالم وحدوثه على وجود الصّانع، وحينئذ يلزم نفي الصّانع، وإن كان الممكن لذاته محتاجا إلى المؤثّر. فإذا كان كلّ ما سوى اللّه ممكنا كان كلّ ما سوى اللّه مستندا إلى اللّه، وهذا الحكم لا يختلف بأن يكون ذلك الممكن ملكا أو جمادا أو فعلا للحيوان أو صفة للنّبات، فإنّ الحكم لاستناد الممكن لذاته إلى الواجب لذاته لما بيّنّا من كونه ممكنا، كان الكلّ فيه على السّويّة. وهذا برهان أوضح وأبين من قرص الشّمس على أنّ الحقّ ما ذكره تعالى، وهو قوله: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. (10: 187)

نحوه القرطبيّ (5: 284) ، والخازن (1: 468) .

الرّازيّ: فإن قيل: كيف عاب على المشركين والمنافقين قولهم: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ... وردّ عليهم، ذلك بقوله: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثمّ قال بعد ذلك: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ ... النّساء: 79، وأخبره بعين قولهم المردود عليهم؟

قلنا: قيل: إنّ الثّاني حكاية قولهم أيضا، وفيه إضمار تقديره: فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا النّساء: 78، فيقولون: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ ....

وقيل: معناه ما أصابك أيّها الإنسان من حسنة، أي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت