فهرس الكتاب

الصفحة 7382 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 170

(و ارسلناك) والوقف على قوله: (فمن نفسك) .

وقالت طائفة: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ هو استئناف إخبار من اللّه أنّ الحسنة منه وبفضله، ثمّ قال:

وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ على وجه الإنكار والتّقدير، وألف الاستفهام محذوفة من الكلام، كقوله:

وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَ الشّعراء: 22، أي وتلك نعمة، وكذا بازِغًا قالَ هذا رَبِّي الأنعام: 77، على أحد الأقوال، والعرب تحذف ألف الاستفهام.

[و استشهد بشعر]

وحكي هذا الوجه عن ابن الأنباريّ، وروى الضّحّاك عن ابن عبّاس: أنّ الحسنة هنا ما أصاب المسلمين من الظّفر والغنيمة يوم بدر، والسّيّئة ما نكبوا به يوم أحد، وعن عائشة:"ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتّى الشّوكة يشاكها حتّى انقطاع شسع نعله، إلّا بذنب وما يعفو اللّه عنه أكثر"، وقال تعالى:

وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ الشّورى: 30.

وقد تجاذبت القدريّة وأهل السّنّة الدّلالة من هذه الآيات على مذاهبهم، فتعلّقت القدريّة بالثّانية، وقالوا:

ينبغي أن لا ينسب فعل السّيّئة إلى اللّه بوجه، وجعلوا الحسنة والسّيّئة في الأولى بمعنى الخصب والجدب والغنى والفقر. وتعلّق أهل السّنّة بالأولى وقالوا: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عامّ يدلّ على أنّ الأفعال الظّاهرة من العباد هي من اللّه تعالى. وتأوّلوا الثّانية وهي مسألة يبحث عنها في أصول الدّين.

وقال القرطبيّ: هذه الآيات لا يتعلّق بها إلّا الجهّال من الفريقين، لأنّهم بنوا ذلك على أنّ السّيّئة هي المعصية، وليست كذلك. والقدريّة قالوا: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ أي من طاعة (فمن اللّه) ، وليس هذا اعتقادهم، لأنّ اعتقادهم الّذي بنوا عليه مذاهبهم أنّ الحسنة فعل المحسن والسّيّئة فعل المسي ء، وأيضا فلو كان لهم فيه حجّة لكان يقول: ما أصبت من حسنة وما أصبت من سيّئة، لأنّه الفاعل للحسنة والسّيّئة جميعا، فلا تضاف إليه إلّا بفعله لهما لا بفعل غيره، نصّ على هذا الإمام أبو الحسن شيب بن إبراهيم بن محمّد بن حيدرة في كتابه المسمّى ب"حزّ الغلاصم في إفحام المخاصم".

وقال الرّاغب: إذا تؤمّل مورد الكلام وسبب النّزول فلا تعلّق لأحد الفريقين بالآية، على وجه يثلج صدرا أو يزيل شكّا؛ إذ نزلت في قوم أسلموا ذريعة إلى غنى وخصب ينالونه وظفر يحصّلونه فكان أحدهم إذا نابته نائبة أو فاته محبوب أو ناله مكروه، أضاف سببه إلى الرّسول متطيّرا به، والحسنة هنا والسّيّئة كهما في وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ الأعراف: 168، وفي فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ الأعراف: 131، انتهى.

وقد طعن بعض الملاحدة فقال: هذا تناقض، لأنّه قال: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وقال عقيبه: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ الآية.

وقال الرّاغب: وهذا ظاهر الوحي، لأنّ الحسنة والسّيّئة من الألفاظ المشتركة، كالحيوان الّذي يقع على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت