فهرس الكتاب

الصفحة 7405 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 193

بيّنت في الوصايا العشر أصول الآداب والفضائل الّتي يأمر بها الإسلام، وما يقابلها من أصول الرّذائل والفواحش الّتي ينهى عنها، فناسب بعد ذلك كلّه أن يبيّن الجزاء على كلّ منهما في الآخرة بعد الإشارة إلى فوائد الأمر والنّهي وما فيهما من المصالح الدّنيويّة بما ذيّلت به آيات الوصايا، وما سبق من ذكر الجزاء في أثناء السّورة غير مغن عن هذه الآية، لأنّه ليس عامّا كعمومها، ولا مبيّنا للفرق بين الحسنات والسّيّئات كبيانها.

فقوله تعالى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها معناه أنّ كلّ من جاء ربّه يوم القيامة متلبّسا بالصّفة الحسنة الّتي يطبعها في نفسه طابع الإيمان والعمل الصّالح، فله عنده من الجزاء عشر حسنات أمثالها من العطايا، فإذا كان تأثير الحسنة في نفسه أن تكون حالة حسنة بقدر معيّن بحسب سننه تعالى، في ترتيب الجزاء على آثار الأعمال الحسنة في تزكية الأنفس، فهو يعطيه ذلك مضاعفا عشرة أضعاف، تغليبا لجانب الحقّ والخير على جانب الباطل والشّرّ، رحمة منه جلّ ثناؤه بعبيده المكلّفين. وقد قرأ يعقوب (عشر) بالتّنوين و (أمثالها) بالرّفع على الوصف.

والظّاهر أنّ هذه العشر لا تدخل فيما وعد اللّه تعالى به من المضاعفة لمن يشاء على بعض الأعمال، كالنّفقة في سبيله، فقد وعد بالمضاعفة عليها بإطلاق في قوله: إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ التّغابن: 17، وبالمضاعفة الموصوفة بالكثرة في قوله: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً ... البقرة: 245، ثمّ بالمضاعفة سبعمئة ضعف في قوله منها أيضا: 261:

مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ قيل: إنّ المراد بالمضاعفة لمن يشاء هذه المضاعفة نفسها، وقيل: بل المراد به غيرها أو ما يزيد عليها، وقيل أيضا: إنّ المضاعفة كلّها خاصّة بالإنفاق. والأرجح أنّ المضاعفة عامّة وأنّ الجملة على إطلاقها، فتتناول ما زاد على سبعمئة ضعف وما نقص عنه، وهي تشير إلى تفاوت المنفقين وغيرهم من المحسنين في الصّفات النّفسيّة كالإخلاص في النّيّة، والاحتساب والأريحيّة، وفيما يتبعها من العمل كالإخفاء سترا على المعطى وتباعدا من الشّهرة، والإبداء لأجل حسن القدوة، وتحرّي المنافع والمصالح، وفي الأحوال الماليّة والاجتماعيّة كالغنى والفقر والصّحّة والمرض، وفيما يقابل ذلك من الصّفات والأعمال كالرّياء وحبّ الشّهرة الباطلة والمنّ والأذى.

فالعشرة مبذولة لكلّ من أتى بالحسنة، والمضاعفة فوقها تختلف بمشيئته تعالى، بحسب ما يعلم من اختلاف أحوال المحسنين. (8: 232)

نحوه المراغيّ. (8: 86)

مغنيّة: كلّ ما فيه للّه رضا وللنّاس صلاح فهو حسنة، وكلّ ما فيه سخط للّه وفساد للنّاس فهو سيّئة، واللّه سبحانه عادل وكريم، ومن عدله أن يجزي فاعل السّيّئة بما يعادلها من العذاب، ومن كرمه أن يعفو، وأن يضاعف لفاعل الحسنة أضعافا تزيد إلى عشرة أمثال،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت